تقرير محكمة الحسابات يفجر الجدل في موريتانيا… صراع مفتوح بين إرادة الإصلاح وشبكات الفساد

مطالبات واسعة بالمحاسبة وتأكيد رسمي على الشفافية… والمشهد السياسي يدخل مرحلة “حساسة”
تشهد الساحة السياسية والإعلامية في موريتانيا هذه الأيام حالة من الجدل المتصاعد، عقب صدور تقرير محكمة الحسابات الأخير، الذي كشف عن خروقات مالية وإدارية خطيرة داخل عدد من المؤسسات الحكومية والبرامج العمومية. التقرير الذي وُصف بأنه “الأجرأ منذ سنوات”، أحدث ارتدادات قوية داخل الشارع الموريتاني الذي عبر عن غضب واسع إزاء ما اعتبره البعض “نهبًا منظّمًا للمال العام دون رقيب أو حسيب”.

وقد أظهر التقرير تجاوزات مالية كبيرة، واختلالات في الصفقات العمومية، إضافة إلى شبهات تبديد أموال موجهة أصلاً للتنمية والخدمات الأساسية. واعتبر مراقبون أن مضمون التقرير “فضح شبكات فساد متجذرة”، وظلت خلال السنوات الماضية بمنأى عن المحاسبة.

توقيت التقرير… رسالة سياسية؟

يأتي نشر نتائج التفتيش في ظرفية سياسية دقيقة، يقول محللون إنها تحمل أكثر من دلالة. فهناك من يرى أن التوقيت يُحسب للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، باعتباره خطوة عملية تؤكد التزامه بمحاربة الفساد وتعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الدولة والمواطن. بينما يعتقد آخرون أن التقرير يهدف أيضًا إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي وإغلاق الباب أمام اتهامات المعارضة بانتقائية العدالة بعد إحالة ملفات تتعلق بالرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وحده.

وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي أحمدو ولد الطالب أن التقرير “تأكيد على أن الدولة تتجه نحو بناء مؤسسات رقابية قوية”، مضيفًا: “إن إظهار نتائج التفتيش أمام الرأي العام خطوة قوية ورسالة واضحة بأن محاربة الفساد لم تعد شعارًا سياسيًا بل مسارًا إصلاحيًا”.

توجس سياسي وقلق من الاضطراب

ورغم الترحيب الشعبي الواسع بالتقرير، إلا أن بعض المراقبين عبّروا عن خشيتهم من تأثير هذه العملية على الاستقرار السياسي، خاصة إذا اتسعت دائرة الملاحقات القضائية لتشمل شخصيات نافذة في الدولة. ويحذر البعض من أن ملاحقة الحكام السابقين أو مسؤولين حاليين قد تفتح الباب أمام توترات سياسية، في ظل معارضة ضعيفة وقوى سياسية جديدة ما تزال تبحث عن تموقعها داخل المشهد.

ويقول متابعون للشأن السياسي إن “الكرة الآن في ملعب السلطة التنفيذية”، فإما أن تستثمر التقرير لتدعيم دولة القانون، أو تتحول القضية إلى “موجة إعلامية عابرة” تفقد ثقة الشارع في جدية الإصلاح.

بين محاربة الفساد واستقرار الدولة

يحظى نهج الرئيس غزواني بدعم شريحة واسعة من المواطنين، خصوصًا ما يتعلق بالسياسات الاجتماعية والاهتمام بالفئات الهشة والاستقرار الأمني. لكن تحدي الإصلاح الشامل لا يزال مطروحًا بقوة، إذ يتطلب – بحسب مختصين – توافقًا سياسيًا واسعًا وخارطة طريق إصلاحية واضحة، حتى لا تتحول الحرب على الفساد إلى صراع سياسي أو تصفية حسابات.

في انتظار الخطوات العملية المقبلة، يبقى المشهد الموريتاني مفتوحًا على كل الاحتمالات. فإما أن تمثل نتائج تقرير محكمة الحسابات نقطة تحول حقيقية نحو دولة تعتمد الشفافية وسيادة القانون، أو تدخل البلاد مرحلة جديدة من التجاذبات السياسية إذا لم تُترجم هذه الخطوة إلى إصلاحات فعلية تعيد ثقة المواطن في مؤسسات الدولة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى