الكهرباء مسؤولية دولة.. والإعلام مسؤولية وطن بقلم آمنة /أجيون

أثبتت أزمة الكهرباء الأخيرة أن الخدمات الأساسية لا تحتمل التأخر، وأن أي خلل في منشأة حيوية يمكن أن ينعكس مباشرة على حياة الناس.
كما أكدت أن إدارة الأزمات الناجحة تقوم على ثلاثة أسس مترابطة: سرعة التدخل، ووضوح التواصل، والبحث الجاد عن أسباب الخلل لمنع تكراره.
وفي هذا المشهد، تبرز أهمية القيادة الميدانية التي تتابع الحدث عن قرب، والحكومة التي تشرح للمواطنين ما يجري، والفرق الفنية التي تعمل لساعات طويلة، والصحافة التي تنقل الحقيقة بمسؤولية.
الدرس الذي أضاءته الأزمة
ربما انطفأت أحياء من نواكشوط لساعات طويلة، لكن الأزمة أضاءت في المقابل حقيقة لا ينبغي تجاهلها:
أن الدولة القوية لا تُقاس فقط بقدرتها على إدارة الأوضاع في الأيام العادية، بل بقدرتها على التحرك السريع عندما تتعطل الخدمات، وعلى حماية المواطنين من آثار الأزمة، ثم امتلاك الشجاعة الكافية للبحث عن الخلل ومحاسبة المسؤولين عنه.
وفي هذا السياق، يُنوه بالدور القيادي لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في متابعة الأزمة ميدانيًا وتحديد الأولويات، وفي مقدمتها إعادة الكهرباء إلى المواطنين، بالتوازي مع فتح تحقيق فني مستقل لمعرفة أسباب الحادث.
كما تُثمن جهود أعضاء الحكومة والفرق الفنية وكل من ساهم في التدخل من أجل تجاوز الأزمة وإعادة الخدمة إلى مسارها الطبيعي.
وتبقى الصحافة، في مثل هذه اللحظات، أمام مسؤوليتها التاريخية: أن تكون صوت الحقيقة، لا صدى الشائعة؛ ومنارة للوعي، لا أداة للتهويل؛ وجسرًا للثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
فالكهرباء ليست سلكًا وعمودًا فحسب… إنها حياة مدينة بأكملها
حين انطفأت نواكشوط.. كيف واجهت الدولة أزمة الكهرباء؟
لم يكن انقطاع الكهرباء في نواكشوط مجرد عطلٍ فني عابر، ولا أزمةً يمكن اختزالها في كابل محترق أو محطة متوقفة.
ففي مدينةٍ تنبض بالحياة على مدار الساعة، تعني الكهرباء أكثر من مجرد ضوء؛ إنها نبض بيت، وراحة أسرة، ودواء مريض، وأمن شارع، واستمرار مرفق، وكرامة مواطن.
لذلك، حين اشتعلت الكابلات والموصلات في محطتي توزيع الكهرباء، وامتد أثر الحادث إلى حياة آلاف المواطنين، وجدت الدولة نفسها أمام اختبار حقيقي: كيف تُدار أزمة بحجم انقطاع طويل للكهرباء؟ وكيف تُستعاد الثقة والإنارة في أسرع وقت ممكن؟
من المكاتب إلى قلب الأزمة
في مثل هذه الظروف، يكون الوقت هو العامل الأكثر حساسية، وتكون المسؤولية أكبر من انتظار التقارير.
ومنذ الساعات الأولى للأزمة، انتقل فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إلى الميدان، حيث وقف ميدانيًا على حجم الأضرار، وتابع عن قرب جهود التدخل وإعادة الخدمة.
لم تكن الزيارة مجرد حضور رسمي، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الأزمة تحظى بأعلى درجات الاهتمام، وأن الأولوية الأولى هي إعادة الكهرباء إلى المواطنين في أسرع الآجال الممكنة.
وقد أصدر فخامته توجيهات صارمة بتسخير الإمكانات البشرية والفنية والمادية اللازمة لمعالجة الأعطال، مع العمل المتواصل حتى تعود الإنارة إلى الأحياء والمنازل والمرافق الحيوية.
وبالفعل، بدأت الجهود الميدانية تؤتي ثمارها، وعاد التيار الكهربائي تدريجيًا إلى العاصمة، قبل أن تستعيد الخدمة وضعها الطبيعي والمستقر.
إعادة الكهرباء أولًا.. ثم البحث عن الحقيقة
لكن إدارة الأزمة لم تتوقف عند حدود إصلاح الأعطال وإعادة تشغيل المنشآت.
فإعادة التيار لا تعني انتهاء الأسئلة.
ولهذا تقرر تشكيل لجنة فنية مستقلة للتحقيق في الحادثين، وتشخيص أسبابهما بدقة، وتحديد مكامن الخلل، والخروج بتوصيات عملية تحول دون تكرار ما حدث.
وهنا تتجلى إحدى أهم قواعد الإدارة الرشيدة للأزمات: معالجة الأثر العاجل، ثم البحث بجدية عن السبب، ومساءلة المسؤولين عنه، واتخاذ الإجراءات التي تمنع تكراره مستقبلًا.
الحكومة في الميدان.. والمواطن يريد أن يعرف
خلال الأزمة، حضرت الحكومة إلى واجهة الحدث من خلال زيارات ميدانية واجتماعات وتوضيحات متواصلة.
واكب عدد من الوزراء جهود التدخل، وقدموا للرأي العام شروحًا حول طبيعة الأعطال، والخطط الاستعجالية التي تم اعتمادها لتجاوزها، كما استعرضوا الإجراءات المستقبلية الرامية إلى تعزيز منظومة الأمان والسلامة في المنشآت الكهربائية.
وفي الأزمات الكبيرة، لا يحتاج المواطن إلى المعلومة فحسب، بل يحتاج إلى معلومة واضحة وصادقة وفي الوقت المناسب.
فالمواطن الذي يعيش ساعات طويلة في الظلام يريد أن يعرف: ماذا حدث؟ وما الذي يتم فعله؟ ومتى تعود الخدمة؟
ومن هنا تصبح الشفافية والتواصل المنتظم جزءًا أساسيًا من إدارة الأزمة، تمامًا مثل إصلاح المحطات والكابلات.
الصحافة بين نقل القلق وصناعة الطمأنينة
وعندما يطول انقطاع الكهرباء، تتسع مساحة القلق، وتزداد الشائعات، وتتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للأخبار المتضاربة.
وهنا يأتي الدور الحقيقي للصحافة المهنية.
فالصحافة في لحظات الأزمات لا ينبغي أن تتحول إلى منصة للتهويل، ولا إلى سوقٍ للمتاجرة بمعاناة المواطنين، ولا إلى ناقلٍ للشائعات والمعلومات المجهولة.
إن مسؤوليتها أكبر من ذلك.
مسؤوليتها أن تبحث عن الحقيقة، وأن تقدم المعلومة الدقيقة، وأن تضع الحدث في سياقه الصحيح، وأن تساعد المواطن على فهم ما يجري دون تضليل أو تخويف.
ومن هذا المنطلق، يصبح الاعتماد على المصادر الرسمية الموثوقة ضرورة مهنية ووطنية، وفي مقدمتها اللجنة الوزارية المكلفة بالملف، ووزارة الطاقة، والجهات الحكومية المختصة بالتواصل وتقديم المعلومة للرأي العام.
أما المصادر المجهولة والمشبوهة، وتلك التي تنشط في نشر الخوف وتضخيم الوقائع وتشويه الحقائق، فلا ينبغي أن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام المهنية



