الأمن.. النعمة التي تسبق كل النعم بقلم: آمنة أجيون

في عالم يموج بالأحداث والتحديات، تبقى بعض الحقائق ثابتة لا يختلف عليها اثنان، ومن أبرزها أن الأمن هو الركيزة الأولى التي تقوم عليها حياة الأفراد والشعوب. فقبل الحديث عن التنمية والاقتصاد والتعليم والصحة، لا بد من وجود بيئة آمنة يشعر فيها الإنسان بالطمأنينة على نفسه وأسرته وممتلكاته.
قد لا توجد دولة في العالم تخلو من الأخطاء أو التجاوزات، فالعدل المطلق غاية تسعى إليها المجتمعات ولا تدعي بلوغها كاملة. وقد يقع ظلم هنا أو هناك، وقد يُسجن بريء بسبب خطأ بشري، وقد ينجو مذنب من العقاب لأسباب مختلفة، كما قد تعاني بعض المجتمعات من البطالة أو التهميش أو الفساد بدرجات متفاوتة. هذه أمور شهدتها وتشهدها مختلف دول العالم، المتقدمة منها والنامية على حد سواء.
لكن رغم كل ذلك، تبقى نعمة الأمن هي المكسب الأكبر الذي لا يضاهيه مكسب آخر. فما قيمة الثروة إذا كان الإنسان يخشى الخروج من منزله؟ وما قيمة المشاريع والخطط إذا كانت حياة الناس مهددة بالخوف والاضطراب؟ وما معنى الرفاه المادي إذا غابت السكينة من القلوب؟
الأمن ليس مجرد وجود أجهزة أمنية أو قوانين رادعة، بل هو شعور يومي بالطمأنينة. هو أن ينام الإنسان في بيته مرتاح البال، وأن يذهب إلى عمله أو دراسته دون خوف، وأن يتمكن الأطفال من اللعب، والنساء من التنقل، وكبار السن من قضاء شؤونهم في أجواء يسودها الاستقرار والاحترام.
ولعل التجارب التي عاشتها بعض الدول خلال العقود الأخيرة تقدم دروسًا واضحة في هذا المجال. فقد فقدت شعوب كثيرة فرص التنمية والاستقرار عندما تزعزع الأمن، وتحولت أحلام البناء إلى هموم يومية تتعلق بالنجاة والحفاظ على أبسط مقومات الحياة. وعندما يغيب الأمن، تتراجع الاستثمارات، وتتوقف عجلة الاقتصاد، وتضعف الخدمات، ويصبح الجميع خاسرين مهما كانت مواقعهم أو توجهاتهم.
إن الحفاظ على الأمن مسؤولية جماعية، لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل يشارك فيها المواطن من خلال احترام القانون، ونبذ خطاب الكراهية، والتصدي للشائعات، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يهدد السلم الاجتماعي أو يزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد.
ولا يعني تقدير الأمن التغاضي عن المطالب المشروعة أو التوقف عن السعي نحو الإصلاح وتحسين الأوضاع، بل إن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة تسمح بالحوار والعمل والبناء. فالأمن والتنمية شريكان لا ينفصلان، وكل منهما يدعم الآخر ويعززه.



