الدور الإعلامى بين التوجيه وخطورة التلميع

الدور الإعلامي بين التوجيه وخطورة التلميع
يُعدّ الإعلام في جوهره أداةً للتنوير وبناء الوعي، إذ يضطلع بمهمة توجيه الرأي العام عبر نقل الحقائق، وشرح القضايا، وتبسيطها للمواطن بشكل مهني ومتوازن. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض الخبر، بل يسعى إلى تفسيره ووضعه في سياقه الصحيح، بما يعزز ثقافة المواطنة ويخدم الصالح العام.
غير أن هذا الدور التوجيهي قد ينحرف أحيانًا نحو ما يُعرف بـ”التلميع الإعلامي”، وهو تقديم صورة مبالغ فيها أو أحادية الجانب لجهة أو شخصية أو حدث، بهدف التأثير على الرأي العام بشكل غير موضوعي. وهنا تكمن الخطورة، إذ يفقد الإعلام مصداقيته ويتحول من سلطة رقابية إلى أداة دعائية.
وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مشروع حول مدى انسجام الخطاب الإعلامي مع الممارسة الفعلية على الأرض. فبمناسبة تخليد اليوم العالمي لحرية الصحافة، وفي حدث رسمي حضرته شخصيات وطنية وإعلامية بارزة، وتحت إشراف شخصية إعلامية وطنية مميزة وهو وزير الثقافة الدكتور الحسين ولد مدو، طفت إلى السطح ممارسات تثير الجدل، من بينها ما اعتُبر تهميشًا للمرأة الصحفية وإقصاءً لدورها، في مشهد يتناقض مع القيم التي يُفترض أن يدافع عنها الإعلام.
إن طرح مثل هذه الملاحظات لا يهدف إلى التجريح أو التقليل من أي جهة، بقدر ما يسعى إلى لفت الانتباه إلى ضرورة تعزيز معايير الإنصاف والشفافية، خاصة في الفعاليات التي تحمل طابعًا رمزيًا يعكس صورة القطاع الإعلامي أمام الرأي العام
وفي ظل التطور الرقمي وتسارع تدفق المعلومات، أصبحت المسؤولية أكبر على عاتق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، حيث بات الجمهور أكثر وعيًا وقدرة على التمييز بين المحتوى المهني والدعاية المقنّعة.
وعند إسقاط هذه المبادئ على الواقع، تبرز مفارقة لافتة في بعض الفعاليات المهنية، خاصة خلال تخليد اليوم العالمي لحرية الصحافة، حيث يُفترض أن تكون هذه المناسبة تجسيدًا لقيم العدالة والإنصاف داخل الحقل الإعلامي.
فعند متابعة مشاهد التكريم وتوزيع البطاقات الصحفية الشرفية والمهنية، لم يبرز من بين هذا الحضور النسوي الواسع سوى اسمين فقط: الصحفية ركي سي من التلفزة الموريتانية، والفنانة والصحفية أماو منت آب من إذاعة موريتانيا، وزينب منت الجد وذلك في وقت تعج فيه المؤسستان بعشرات الصحفيات الكفؤات اللواتي أفنين سنوات من العمل الجاد في الميدان، وأسهمن بشكل مباشر في استمرارية الإنتاج الإعلامي وجودته.
هذا الحضور المحدود لا يعكس الواقع الحقيقي لدور المرأة داخل المؤسسات الإعلامية، بل يطرح تساؤلات جدية حول معايير الاختيار والتكريم، ومدى التزامها بمبدأ الاستحقاق بدل الانتقاء.
إن الإشكال هنا لا يتعلق بأشخاص تم تكريمهم، بل بثقافة مهنية ينبغي أن تقوم على الاعتراف الشامل والعادل بكل الجهود، بعيدًا عن التلميع أو الإقصاء غير المبرر. فالإعلام الذي يدافع عن قضايا المجتمع، وفي مقدمتها إنصاف المرأة، مطالب أولًا بأن يكون منصفًا داخل بيئته المهنية.
الإعلام الناجح هو الذي يوجّه دون أن يضلل، وينتقد دون أن يهدم، ويُبرز النجاحات دون أن يزيّف الواقع. كما أن ترسيخ العدالة المهنية، واحترام كفاءة المرأة الصحفية وإبراز دورها الحقيقي، يظل شرطًا أساسيًا لبناء إعلام متوازن وموثوق يعكس صورة المجتمع بكل نزاهة



