محور نواكشوط – أبيدجان”: بين المظلة الأمنية للساحل ورهانات الاقتصاد الموازي:

أبيدجان تعيد رسم الخارطة.. الغزواني وواتارا في «قمة الساعات الخمس» ورسائل الأمن والاقتصاد

زيارة قصيرة في الزمن، واسعة في الدلالات.. حين تتحول الساعات القليلة إلى رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود المكان

لم تكن الساعات القليلة التي أمضاها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في العاصمة الإيفوارية أبيدجان مجرد محطة عابرة في أجندة دبلوماسية مزدحمة، بل بدت أقرب إلى رسالة سياسية مركزة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها تحديات الأمن مع رهانات الاقتصاد، وتتداخل فيها أزمات الساحل مع مستقبل التوازنات في غرب إفريقيا.

زيارة خاطفة، لكنها حملت معها ملفات أكبر من زمنها، وجمعت على طاولة واحدة نواكشوط وأبيدجان، في محاولة لقراءة المشهد الإقليمي المتغير، واستشراف مسارات التعاون في منطقة باتت تعيد تشكيل تحالفاتها وتوازناتها بسرعة لافتة.

أبيدجان.. حين تتحدث الدبلوماسية بلغة الساعات

فور وصوله إلى أبيدجان، أجرى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مباحثات مع نظيره الإيفواري الحسن واتارا، تناولت العلاقات الثنائية وتطورات الوضع الإقليمي، قبل أن يتوج اللقاء بتصريح صحفي مشترك.

وقد اختصر الرئيس الغزواني فلسفة الزيارة في التأكيد على أن العلاقات بين نواكشوط وأبيدجان تكتسي «أهمية خاصة جداً» بالنظر إلى السياق الإقليمي ومستوى التحديات المشتركة، في إشارة واضحة إلى أن التطورات المتسارعة في منطقة الساحل وغرب إفريقيا تفرض على دول المنطقة رفع مستوى التنسيق والتشاور.

أما الرئاسة الإيفوارية، فأبرزت أهمية المباحثات في تعزيز التعاون الثنائي، إلى جانب بحث عدد من الملفات المرتبطة بالسلم والاستقرار في غرب إفريقيا.

وهنا تكمن أهمية الزيارة: فاللقاء لم يكن منفصلاً عن التحولات التي تعيشها المنطقة، بل جاء في قلبها.

من الساحل إلى خليج غينيا.. هواجس أمنية مشتركة

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد الحدود الجغرافية وحدها قادرة على عزل دول غرب إفريقيا عن تداعيات الاضطرابات الأمنية في منطقة الساحل.

فالأزمات المتلاحقة، واتساع دائرة التهديدات العابرة للحدود، وتنامي المخاطر المرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، جعلت الأمن الإقليمي ملفاً مشتركاً لا يمكن لأي دولة التعامل معه منفردة.

وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا وكوت ديفوار معنيتين، كل من موقعها، بإيجاد مقاربات أكثر تنسيقاً لحماية الاستقرار وتعزيز التعاون الأمني والسياسي.

وتكتسب موريتانيا أهمية خاصة في هذه المعادلة بحكم موقعها الجغرافي بين فضاء الساحل والمغرب العربي والمحيط الأطلسي، فضلاً عن حضورها المتنامي في الملفات الإفريقية.

كما أن رئاسة الرئيس الغزواني للاتحاد الإفريقي منحت نواكشوط مساحة إضافية للتحرك داخل دوائر القرار القاري، والدفع باتجاه مقاربات تقوم على الحوار والتنسيق وتغليب الحلول السياسية في مواجهة أزمات المنطقة.

الاقتصاد.. الوجه الآخر للزيارة

إذا كانت السياسة والأمن يمثلان العنوان الأبرز للزيارة، فإن الاقتصاد والجالية الموريتانية في كوت ديفوار يمثلان أحد أهم أبعادها الإنسانية والتجارية.

فالحضور الموريتاني في أبيدجان ليس حضوراً اجتماعياً فحسب، وإنما يشكل شبكة واسعة من المصالح التجارية والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية التي راكمتها الجالية عبر سنوات طويلة.

ومن هنا، فإن أي تقارب سياسي بين نواكشوط وأبيدجان ينعكس بالضرورة على واقع هذه الجالية، وعلى حركة التجارة والاستثمار، وعلى التسهيلات المرتبطة بالإقامة والعمل والخدمات القنصلية.

ولعل مشاهد الاستقبال الشعبي للرئيس الغزواني من طرف أفراد الجالية الموريتانية في أبيدجان حملت دلالة إضافية؛ إذ كشفت عن حجم الروابط التي تتجاوز القنوات الرسمية إلى شبكة بشرية واقتصادية تشكل جسراً حقيقياً بين البلدين.

الجالية.. قوة ناعمة على ضفاف الاقتصاد

لطالما شكلت الجاليات الموريتانية في الخارج جزءاً مهماً من الحضور الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، والجالية في كوت ديفوار ليست استثناءً.

فهي تمثل حلقة وصل بين الأسواق، وتساهم في حركة السلع ورؤوس الأموال، كما تؤدي دوراً في تعزيز العلاقات الشعبية بين البلدين.

ولهذا، فإن حماية مصالح هذه الجالية وتسهيل نشاطها الاقتصادي والتجاري لا تبدو قضية قنصلية محدودة، وإنما جزءاً من منظومة أوسع يمكن أن تتحول إلى قوة ناعمة في العلاقات الموريتانية الإيفوارية.

ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الدبلوماسية لا يقاس فقط بما يصدر عن القمم من بيانات، وإنما بما تستطيع تحويله إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطن ورجل الأعمال والتاجر والمستثمر.

ثلاث قراءات لزيارة واحدة

يمكن قراءة زيارة أبيدجان من ثلاث زوايا مترابطة:

1. القراءة الجيوسياسية

تأتي الزيارة في إطار سعي موريتانيا إلى تعزيز موقعها كطرف فاعل في النقاشات المتعلقة بأمن واستقرار غرب إفريقيا.

فالتحولات التي تشهدها منطقة الساحل تفرض بناء جسور جديدة مع الدول المطلة على خليج غينيا، بما يسمح بتبادل المعلومات وتنسيق المواقف واحتواء المخاطر قبل انتقالها إلى مناطق جديدة.

2. القراءة الاقتصادية

العلاقات السياسية لا تنفصل عن المصالح الاقتصادية. فكلما ارتفع مستوى التنسيق بين نواكشوط وأبيدجان، اتسعت فرص تطوير المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمارات وتسهيل حركة رجال الأعمال والجاليات.

وهنا تبرز الحاجة إلى تحويل التقارب السياسي إلى أجندة اقتصادية واضحة تتضمن تسهيلات عملية ومشاريع مشتركة وآليات أكثر فاعلية لحماية الاستثمارات.

3. القراءة الوطنية النقدية

وفي المقابل، يظل السؤال الذي يطرحه المواطن مشروعاً: ماذا بعد الزيارات والقمم؟

فالدبلوماسية الناجحة لا تكتمل بالصور والبروتوكولات، وإنما عندما تتحول نتائج اللقاءات إلى واقع ملموس؛ من تسهيل الإجراءات القنصلية، إلى حماية مصالح الجالية، وتطوير المبادلات التجارية، وفتح فرص جديدة أمام المستثمرين والتجار.

وهذه هي المسافة التي ينبغي أن تقطعها الدبلوماسية بين لغة السياسة واحتياجات الناس.

ما وراء الساعات الخمس

ربما تكون الساعات التي أمضاها الرئيس الغزواني في أبيدجان قليلة بمقياس الزمن، لكنها ليست قليلة بمقياس السياسة.

فالرسالة الأهم في الزيارة قد لا تكون في عدد ساعات المكوث، وإنما في اختيار أبيدجان في هذا التوقيت، وفي مستوى اللقاء الذي جمع الرئيسين، وفي الملفات التي فرضتها التحولات الإقليمية على جدول المباحثات.

إنها إشارة إلى أن نواكشوط تنظر إلى غرب إفريقيا باعتباره فضاءً مترابطاً للمصالح والأمن والتنمية، وأن الحفاظ على الاستقرار لم يعد مسؤولية دولة واحدة، بل مشروعاً إقليمياً يتطلب تنسيقاً مستمراً بين العواصم.

وفي النهاية، تبقى قيمة «قمة الساعات الخمس» رهينة بما ستنتجه من خطوات لاحقة.

فإذا تحولت رسائل أبيدجان إلى اتفاقات، ومشاريع، وتسهيلات، وتنسيق أمني وسياسي أكثر فاعلية، فإن الزيارة ستتجاوز كونها محطة دبلوماسية خاطفة لتصبح حلقة في مسار أوسع لإعادة صياغة حضور موريتانيا داخل معادلات غرب إفريقيا.

ففي عالم السياسة، ليست المسافة بين العاصمتين هي الأهم، ولا عدد الساعات التي تستغرقها الزيارة؛ وإنما حجم الملفات التي تستطيع تلك الساعات أن تحركها.

وهنا تحديداً تبدأ قصة أبيدجان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى