ديدي ولد أحبيب.. حين يصبح المنصب اختبارًا للنزاهة وتصبح المسؤولية أثرًا”بقلم :آمنة منت محمد محمود أجيون

في المؤسسات التي تتصل مباشرة بحرية التعبير وحق المواطن في المعلومة، لا تكفي الخبرة الإدارية وحدها، ولا تكفي القدرة على اتخاذ القرار؛ فالمسؤولية هنا تحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة، وأوسع من الصدر، وأشد حرصًا على التوازن والإنصاف.

ومن هذا المنظور، تبدو تجربة الدكتور ديدي ولد أحبيب في قيادة السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية تجربة جديرة بالتوقف عندها، ليس فقط من زاوية ما تفرضه طبيعة المنصب من مسؤوليات، وإنما كذلك من زاوية الطريقة التي اختار بها الرجل أن يمارس تلك المسؤولية.

فـ«الهابا» ليست مؤسسة عادية؛ إنها تقع في قلب المشهد الإعلامي، حيث تتقاطع حرية الصحافة مع المسؤولية المهنية، ويتداخل حق المواطن في الوصول إلى المعلومة مع ضرورة احترام القوانين والضوابط المنظمة للمهنة. ولذلك فإن إدارة هذه المؤسسة تتطلب شخصية قادرة على الجمع بين الحزم والمرونة، وبين استقلالية القرار والقدرة على التواصل، وبين مقتضيات القانون والبعد الإنساني.

وفي هذه المساحة الدقيقة، استطاع الدكتور ديدي ولد أحبيب أن يقدم صورة للمسؤول الذي لا ينظر إلى المنصب باعتباره امتيازًا، وإنما باعتباره تكليفًا ومسؤولية.

ولعل العبارة التي تختصر تجربته أكثر من غيرها هي: «الرجل المناسب في المكان المناسب».

فالرجل لم يدخل إلى هذه المسؤولية من فراغ؛ بل حمل معه رصيدًا من الخبرة والتجربة في مواقع ومسؤوليات سابقة، الأمر الذي مكنه من فهم طبيعة الملفات التي وجدها أمامه، والتعامل مع تعقيداتها بقدر من الهدوء والاتزان.

غير أن قيمة المسؤول لا تظهر فقط في القرارات التي يتخذها، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها مع الناس.

وهنا تحديدًا، استطاع ديدي ولد أحبيب أن يبني علاقة مختلفة مع الصحفيين والعاملين في الحقل الإعلامي. فلم يكن حضوره بالنسبة إلى كثير منهم مقتصرًا على حدود المسؤول الإداري، بل تجاوز ذلك إلى شخصية قريبة من أهل المهنة، تستمع إلى انشغالاتهم، وتتفاعل مع قضاياهم، وتتعامل معهم بروح من الاحترام والانفتاح.

وفي الإعلام العمومي والخاص على حد سواء، وجد صحفيون في الرجل مسؤولًا يمكن الحديث معه، والاستماع إليه، وطرح الإشكالات أمامه دون حواجز نفسية أو بروتوكولية ثقيلة.

وهذه المسألة، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، فإنها في واقع الأمر واحدة من أصعب مهام المسؤول؛ لأن بناء الثقة بين المؤسسة والعاملين في قطاعها لا تصنعه البيانات الرسمية وحدها، وإنما تصنعه الممارسة اليومية، وحسن الاستماع، والإنصاف في التعامل.

في زمن أصبحت فيه الثقة واحدة من أثمن العملات داخل المؤسسات، تبرز النزاهة باعتبارها معيارًا أساسيًا للحكم على أداء المسؤول.

والنزاهة، كما تكشفها التجارب، لا تظهر في الخطب والشعارات، وإنما في التفاصيل الصغيرة: في طريقة استقبال الناس، وفي الاستماع إلى مختلف الآراء، وفي احترام المخالف، وفي القدرة على الفصل بين المسؤولية والعلاقات الشخصية.

ومن هذه الزاوية، ارتبط حضور الدكتور ديدي ولد أحبيب لدى عدد من الإعلاميين بصورة مسؤول يحرص على أن تكون الشفافية والإنصاف والاحترام جزءًا من الممارسة اليومية، لا مجرد عناوين للاستهلاك الإعلامي.

لقد كان حريصًا على أن تظل أبواب التواصل مفتوحة، وأن يشعر الصحفي بأن المؤسسة التي يفترض أن تنظم المشهد الإعلامي ليست بعيدة عن مشاكله وتطلعاته، بل معنية بفهمها والتفاعل معها.

ربما يكون الجانب الأكثر حضورًا في تجربة الدكتور ديدي ولد أحبيب هو ذلك البعد الإنساني الذي جعله، في نظر كثير من الصحفيين، أقرب إلى السند المهني والأخ الأكبر منه إلى المسؤول الرسمي فقط.

فالمسؤول الذي يترك أثرًا في نفوس الناس ليس بالضرورة من يملك أكبر سلطة، وإنما من يستطيع أن يستخدم موقعه لخدمة المؤسسة وأهل المهنة، وأن يجعل من التواصل وسيلة لبناء الثقة لا لإقامة الحواجز.

ومن هنا جاءت صورة الرجل الذي يجد الصحفي فيه الأب والموجه والناصح، ويجد في حديثه رحابة صدر، وفي تعامله احترامًا، وفي مواقفه قدرًا من المسؤولية والاتزان.

وهي صورة لا تُمنح بالقرار الإداري، ولا تُكتسب بالمنصب، وإنما تُبنى مع مرور الوقت من خلال المواقف والممارسة.

قد تنتهي فترة المسؤولية، وقد تتغير المواقع والأسماء، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو الأثر.

والأثر الحقيقي للمسؤول لا يُقاس فقط بعدد القرارات التي اتخذها أو الملفات التي عالجها، بل كذلك بما تركه من انطباع لدى من عملوا معه، وبمدى نجاحه في جعل المؤسسة أكثر قربًا من محيطها، وأكثر قدرة على التواصل مع أصحاب المهنة.

ومن هذه الزاوية، فإن تجربة الدكتور ديدي ولد أحبيب تستحق أن تُقرأ باعتبارها نموذجًا للمسؤولية التي تجمع بين الكفاءة والخبرة والنزاهة والإنسانية.

لقد أثبتت التجربة أن المؤسسات الحساسة تحتاج إلى أكثر من إداري بارع؛ إنها تحتاج إلى شخصية تدرك أن وراء كل ملف إنسانًا، وأن وراء كل قرار أثرًا، وأن وراء كل مؤسسة سمعة تُبنى سنوات وقد تهدمها لحظة.

وفي النهاية، يبقى الدكتور ديدي ولد أحبيب واحدًا من أولئك المسؤولين الذين اختاروا أن يجعلوا من المنصب مساحة للعطاء، ومن المسؤولية فرصة لخدمة المهنة، ومن التعامل الإنساني جسرًا لبناء الثقة.

فالمناصب قد تمنح أصحابها سلطة مؤقتة، لكن السيرة المهنية وحدها هي التي تمنحهم مكانة دائمة.

وهنا تكمن قيمة التجربة: أن يغادر المسؤول موقعه، بينما تبقى صورته حاضرة في ذاكرة أهل المهنة، بما تركه من احترام وتقدير وأثر إنساني ومهني.

ديدي ولد أحبيب.. مسؤولية أُدّيت، وثقة بُنيت، وأثرٌ بقي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى