ا السياحة الوطنية بين صناعة التأثير وصون الهوية.. من يروي حكاية موريتانيا لشبابها؟بقلم آمنة /أجيون

السياحة الوطنية ليست مجرد رحلة من مكان إلى آخر، ولا صوراً تُلتقط أمام معلم تاريخي أو منظر طبيعي ثم تنتهي الحكاية بانتهاء الرحلة.
السياحة الوطنية، في معناها الأعمق، مشروع لتعريف المواطن بوطنه، وإعادة اكتشافه، وربط الأجيال بذاكرتها وتاريخها وثقافتها وهويتها.
ومن هنا، فإن السؤال عن الطريقة التي نقدم بها موريتانيا لشبابها ليس سؤالاً ثانوياً، كما أن السؤال عن الوجوه التي تتولى رواية هذه الحكاية ليس تفصيلاً إعلامياً عابراً.
فحين يصبح التعريف بالوطن مشروعاً وطنياً، فإن اختيار من يتولى سرد حكايته يصبح جزءاً من المشروع نفسه.
موريتانيا لا تحتاج إلى اختراع قصة سياحية من خارجها؛ فالقصة موجودة منذ قرون.
هي في المدن التاريخية، وفي آثار القوافل، وفي المحاظر، وفي الواحات، وفي عمق الصحراء، وعلى امتداد السواحل، وفي الذاكرة الشفهية، وفي التنوع الاجتماعي والثقافي، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي صنعت شخصية الإنسان الموريتاني.
هذه ليست مجرد أماكن تصلح للتصوير والنشر على منصات التواصل الاجتماعي؛ إنها ذاكرة وطنية كاملة، تختزن تاريخ شعب، ومسارات حضارة، وأنماطاً من الحياة لا تزال تحمل خصوصية هذا البلد.
ولهذا، فإن السياحة الداخلية، إذا أريد لها أن تتحول إلى مشروع وطني مستدام، ينبغي ألا تختزل في صناعة محتوى سريع، أو في سباق نحو أكبر عدد من المشاهدات.
فالغاية الأعمق هي أن يشعر المواطن بأن وطنه يستحق الاكتشاف، وأن يرى في تراثه وثقافته وبيئته وتاريخه ما يجعله أكثر اعتزازاً بانتمائه، وأكثر ارتباطاً بالأرض التي ينتمي إليها.
هل الشهرة تكفي؟
لا شك أن المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي يمتلكون قدرة كبيرة على الوصول إلى شرائح واسعة، وخصوصاً الشباب. وهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من صناعة الاهتمام وتوجيه الرأي العام.
لكن الوصول إلى الجمهور شيء، والتأثير الذي نريده في هذا الجمهور شيء آخر.
فليس كل من يمتلك جمهوراً واسعاً مؤهلاً بالضرورة ليكون وجهاً لمشروع وطني.
إن اختيار شخصية لتكون واجهة لمشروع وطني ليس قراراً دعائياً فقط؛ إنه اختيار لنموذج، ولنبرة الخطاب، وللصورة التي سيُقدَّم بها الوطن.
وحين يتعلق الأمر بالسياحة الوطنية، فإننا لا نختار أشخاصاً للترويج لوجهات سياحية فحسب؛ بل نختار، بصورة غير مباشرة، من يروي للأجيال شيئاً عن وطنها.
فالمدينة التي تظهر في الصورة ليست مجرد خلفية جميلة، بل مدينة موريتانية تستحق أن تُعرف قصتها، وأن تُفهم ذاكرتها، وأن يُكتشف معناها.
تمكين الشباب.. أي رسالة نريد أن تصل إليهم؟
تمكين الشباب لا يعني الوصول إليهم بأي وسيلة، وإنما يعني أيضاً منحهم نماذج تستحق الاقتداء، وخطاباً يحترم وعيهم، ومحتوى يرفع ذائقتهم، ويقربهم من وطنهم وثقافتهم وقيم مجتمعهم.
وهنا يصبح اختيار الوجوه التي تحمل الرسالة الوطنية أمراً يستحق التأمل.
فالمشروع الذي نريد من خلاله تعريف الشباب بوطنهم ينبغي ألا ينفصل عن الصورة الثقافية والاجتماعية التي نريد أن تبقى حاضرة في وجدانهم.
والمفارقة أن موريتانيا لا تعاني نقصاً في الكفاءات القادرة على حمل هذه الرسالة.
لدينا الباحثون في التراث، والمؤرخون، والإعلاميون، والمثقفون، والمرشدون السياحيون، والمبدعون، وأبناء المدن التاريخية، وأهل المحاظر، والأدباء، والنساء والرجال الذين يحملون ذاكرة المكان.
ولدينا أيضاً شباب قادرون على صناعة محتوى حديث وجذاب، لكن بروح موريتانية، وبوعي بقيمة الهوية، وبقدرة على الجمع بين أدوات العصر وخصوصية الوطن.
وهنا تكمن المعادلة التي تحتاجها السياحة الوطنية: أن نستفيد من أدوات العصر دون أن نفرط في روح الوطن.
يمكننا أن نستخدم منصات التواصل، وأن نستفيد من قوة المؤثرين، وأن نصنع محتوى جذاباً ومنافساً، ولكن دون أن تصبح المنصة أقوى من الرسالة، أو الشهرة أهم من الهوية.
الوطن أكبر من «الترند»
قد يكون تحويل السياحة الداخلية إلى موضوع رائج على منصات التواصل مفيداً في التعريف بالوجهات السياحية، وقد يساعد في جذب اهتمام الشباب، لكن المشروع الوطني لا ينبغي أن ينتهي عند حدود «الترند».
الوطن أكبر من ذلك.
فالزائر الذي يصل إلى شنقيط أو وادان أو ولاته أو تيشيت لا ينبغي أن يرى حجارةً قديمة فقط، بل يجب أن يسمع حكاية المكان، وأن يعرف ماذا يعني أن يقف على أرض حملت جزءاً من ذاكرة موريتانيا.
والشاب الذي يزور واحة أو موقعاً أثرياً لا ينبغي أن يعود منه بصورة على هاتفه فقط، بل بقصة جديدة عن وطنه.
والأسرة التي تختار وجهة داخل موريتانيا لا ينبغي أن تكون قد قامت برحلة ترفيهية فحسب، وإنما رحلة لاكتشاف الذات والذاكرة والانتماء.
هذه هي السياحة الوطنية التي تستحق الاستثمار.
لا نحتاج إلى هوية مستوردة
من أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع ثقافي أو سياحي أن يبحث عن نجاحه في تقليد نماذج جاهزة لا تنتمي إلى بيئته.
موريتانيا لها خصوصيتها، وثقافتها، وموروثها الاجتماعي، وذاكرتها التاريخية، وطريقتها الخاصة في صناعة صورتها وتقديم نفسها.
ولهذا، ينبغي ألا تتحول السياحة الداخلية إلى نافذة تتسلل منها أنماط مستوردة من صناعة المحتوى على حساب الخصوصية الثقافية.
لسنا بحاجة إلى إعادة إنتاج الآخرين كي ننجح.
نحن بحاجة فقط إلى أن نكتشف أنفسنا، ثم نحسن تقديمها.
ففي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن القصص الأصيلة، نملك نحن قصة حقيقية لا تحتاج إلى التجميل ولا إلى الاستيراد.
من يروي حكاية موريتانيا؟
من الإنصاف القول إن هذه الرؤية لا تستهدف أشخاصاً بعينهم، ولا تشكك في نيات القائمين على المبادرات السياحية الوطنية.
فالنية الوطنية الحسنة محل تقدير، وفكرة تعريف الشباب بوطنهم ودفعهم إلى اكتشاف بلدهم تستحق الدعم والتطوير.
لكن المشاريع الوطنية لا تُقاس بحسن النوايا وحدها، وإنما أيضاً بجودة الأدوات التي تُستخدم لتحقيقها.
لماذا لا يكون المؤثر في السياحة الوطنية هو الباحث الذي يحكي تاريخ مدينة؟
أو الصحفي الذي يوثق حياة الناس؟
أو الشاب الذي يقدم محتوى بيئياً؟
أو المرأة التي تنقل تراث منطقتها؟
أو المرشد الذي يعرف أسرار المكان ويستطيع تحويل رحلة قصيرة إلى تجربة ثقافية عميقة؟
ولماذا لا نصنع مؤثراً وطنياً متخصصاً في الهوية والتراث والسياحة، بدلاً من الاكتفاء باستدعاء الشهرة الجاهزة؟
ذلك سيكون، في تقديري، استثماراً أكثر عمقاً واستدامة.
حسن النية يحتاج إلى حسن الاختيار
ومن باب الإنصاف والاحترام، فإن الإشارة إلى معالي الوزيرة زينب بنت أحمدناه لا تأتي من موقع خصومة أو انتقاص من جهودها.
لقد كانت، وما زالت، نموذجاً وطنياً أقدّره وأحترمه، وأدرك أن النية وراء هذه المبادرات هي خدمة الشباب والوطن، وفتح مساحات جديدة أمام الأجيال لاكتشاف بلدها.
لكنني أؤمن بأن حسن النية يحتاج دائماً إلى حسن الاختيار، وأن الاختيار في المشاريع الوطنية ينبغي أن ينظر إلى نتائجه البعيدة، لا إلى أثره الآني فقط.
قد تكون الفكرة جميلة، والغاية نبيلة، لكن الأهداف النبيلة تحتاج إلى أدوات تليق بها.
السياحة التي نريد
القضية في النهاية ليست قضية أشخاص.
إنها قضية صورة الوطن التي نريد أن نتركها في أذهان أبنائنا.
هل نريد سياحة وطنية تملأ منصات التواصل بالصور والمشاهدات؟
أم نريد سياحة تجعل المواطن أكثر معرفة بوطنه، وأكثر ارتباطاً بتاريخه، وأكثر اعتزازاً بثقافته؟
إذا كان هدفنا هو الخيار الثاني، فعلينا أن نعيد ترتيب الأولويات.
نحتاج إلى استراتيجية سياحية وطنية تجعل الهوية في قلب الترويج، والثقافة في صدارة الرسالة، والشباب شريكاً في صناعة المحتوى، لا مجرد مستهلك له.
ونحتاج إلى فتح المجال أمام الكفاءات الوطنية التي تستطيع أن تقدم موريتانيا كما هي: غنية، عميقة، أصيلة ومتنوعة.
فالوطن ليس مجرد مساحة جغرافية.
والوطن ليس خلفية لصورة.
والوطن ليس مادة عابرة في حساب على منصة اجتماعية.
الوطن حكاية.
ومن يتولى سرد هذه الحكاية يجب أن يعرف قيمتها.
فإذا نجحنا في أن نجعل الشاب الموريتاني يكتشف بلده بعين جديدة، ويعرف تاريخه، ويحب تراثه، ويعتز بهويته، ويؤمن بأن في وطنه ما يستحق الزيارة والاكتشاف، فعندها فقط نكون قد بلغنا المعنى الحقيقي للسياحة الوطنية.
أما إذا كانت الغاية مجرد صناعة انتشار مؤقت، فقد نكسب مشاهدات كثيرة، لكننا سنخسر فرصة أكبر وأعمق:
أن نجعل من السياحة جسراً يعيد الإنسان الموريتاني إلى وطنه… وإلى ذاكرته… وإلى هويته.



