ا مقال تحت عنوان: الملكية التقليدية بين عائق التنمية ورهان اللامركزية.

قراءة في السياق الموريتاني على ضوء تجارب إفريقية وعربية.
مقدمة
تُعدّ مسألة الملكية العقارية، ولا سيما الملكية التقليدية، من أعقد القضايا المرتبطة بالتنمية المحلية في الدول ذات البنية الاجتماعية المركبة. ففي موريتانيا، حيث تتقاطع الأعراف القبلية مع مقتضيات الدولة الحديثة، تبرز الملكية التقليدية كإشكال بنيوي يمسّ فعالية اللامركزية وقدرة الجماعات المحلية على الاضطلاع بأدوارها التنموية. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: إلى أي حد يمكن اعتبار الملكية التقليدية عائقًا للتنمية، أم رصيدًا يمكن توظيفه في إطار حوكمة محلية رشيدة؟
أولًا: الملكية التقليدية في موريتانيا – الجذور والخصائص.
تستند الملكية التقليدية في موريتانيا إلى أعراف تاريخية تشكلت عبر قرون، خاصة في الأرياف والمناطق الزراعية والرعوية، حيث يُنظر إلى الأرض باعتبارها موردًا جماعيًا أو حقًا عرفيًا مرتبطًا بالانتماء الاجتماعي لا بالوثيقة القانونية.
ومن أبرز خصائص هذه الملكية:
* غلبة الطابع الشفهي وندرة التوثيق؛
* تداخل الحقوق الفردية والجماعية؛
* حضور قوي للوساطة العرفية في فضّ النزاعات؛
* ضعف إدماجها في المنظومة الجبائية والاستثمارية.
ثانيًا: الملكية التقليدية كعائق للتنمية المحلية في إطار اللامركزية
في ظل اللامركزية، يفترض أن تمتلك البلديات والجماعات الترابية وعاءً عقاريًا واضحًا يمكّنها من التخطيط العمراني، وجذب الاستثمار، وتعبئة الموارد المحلية. غير أن استمرار الملكية التقليدية خارج الإطار القانوني يفرز عدة إشكالات، من بينها:
1- إعاقة التخطيط الترابي
حيث يصعب إعداد مخططات عمرانية أو مشاريع بنى تحتية دون تحديد قانوني للملكية.
2- ضعف الاستثمار المحلي
بسبب غياب الضمانات القانونية، مما ينفّر المستثمرين ويحدّ من الشراكات العمومية–الخاصة.
3- تكاثر النزاعات العقارية
وهو ما يستنزف طاقات الجماعات المحلية ويقوض الاستقرار الاجتماعي.
4- تراجع الجباية المحلية
نتيجة عدم إدراج مساحات واسعة من الأراضي ضمن النظام الجبائي الرسمي.
ثالثًا: الملكية التقليدية كرصيد اجتماعي للتنمية
رغم ما سبق، فإن اختزال الملكية التقليدية في بعدها الإعاقي يُعدّ مقاربة قاصرة. فهي في السياق الموريتاني:
* تشكل آلية حماية اجتماعية للفئات الهشة؛
* تضمن الاستقرار السوسيولوجي في المناطق الريفية؛
* تعكس معرفة محلية بتدبير الموارد الطبيعية، خاصة في المجال الرعوي.
وعليه، فإن تجاوز الإشكال لا يكون بالإلغاء، بل عبر التحديث التدريجي والمواءمة بين العرف والقانون.
رابعًا: المقاربة المقارنة – تجارب من إفريقيا والعالم العربي.
1- التجارب الإفريقية
* السنغال: اعتمدت قانون “ المجال الوطني” الذي أقرّ الطابع الجماعي للأراضي، مع منح الجماعات المحلية سلطة تدبيرها، مما عزز دور البلديات في التنمية رغم استمرار بعض الإشكالات.
* رواندا: نجحت في تعميم التحفيظ العقاري، بما في ذلك الأراضي العرفية، مما أدى إلى انخفاض النزاعات وارتفاع الإنتاجية الزراعية.
* غانا: دمجت الزعامات التقليدية في تدبير الأراضي، في إطار شراكة مؤسساتية مع الدولة.
2- التجارب العربية
* المغرب: شرع في إصلاح نظام الأراضي السلالية عبر تقنينها وتمليكها تدريجيًا لذوي الحقوق، مع ربطها بمشاريع استثمارية محلية.
* تونس: واجهت إشكالية الأراضي الجماعية بعد الثورة، وسعت إلى إدماجها في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني.
* السودان: يبرز كنموذج إشكالي، حيث أدى ضعف تقنين الملكية التقليدية إلى نزاعات حادة أعاقت التنمية والاستقرار.
خامسًا: نحو مقاربة موريتانية مندمجة
تقتضي الاستجابة لهذا التحدي في موريتانيا:
* تعزيز دور البلديات في تدبير العقار؛
* وضع آليات تحفيظ مرن يحترم الأعراف الإيجابية؛
* إشراك الزعامات التقليدية ضمن أطر مؤسساتية؛
* ربط الحق في الأرض بالاستغلال المنتج؛
* جعل العقار رافعة للجباية المحلية والتنمية المستدامة.
خاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى أن الملكية التقليدية ليست عائقًا جوهريًا للتنمية بقدر ما هي تحدٍّ مؤسسي وقانوني. ففي إطار لامركزية فعالة، يمكن تحويل هذا النمط من الملكية من مصدر تعطيل إلى رافعة تنموية، شرط تحديثه ودمجه في رؤية وطنية شاملة تراعي الخصوصيات المحلية وتستلهم التجارب المقارنة الناجحة.
التوصية:
أولًا: على المستوى التشريعي والتنظيمي
1- سنّ نصوص قانونية تُقرّ بالحقوق العرفية المشروعة وتحدد آليات تحويلها التدريجي إلى حقوق موثقة.
2- تبسيط إجراءات التحفيظ العقاري، خاصة في الوسطين الريفي والرعوي.
3- إدماج مقتضيات خاصة بالملكية التقليدية ضمن قوانين اللامركزية والتخطيط الترابي.
ثانيًا: على المستوى المؤسسي
1- تمكين البلديات من دور محوري في تدبير العقار المحلي، تحت إشراف الدولة.
2- إحداث لجان محلية للعقار تضم المنتخبين، والإدارة، والفاعلين التقليديين.
3- تعزيز قدرات المنتخبين المحليين في مجال الحكامة العقارية.
ثالثًا: على المستوى التنموي والاقتصادي
1- ربط تثبيت الملكية بمشاريع استثمارية منتجة (زراعية، رعوية، عمرانية).
2- إدماج الأراضي التقليدية في الوعاء الجبائي المحلي بشكل تدريجي وعادل.
3- تشجيع الشراكات العمومية–الخاصة على المستوى المحلي بضمانات عقارية واضحة.
رابعًا: على المستوى الاجتماعي والتشاركي
1- إشراك الزعامات التقليدية ضمن أطر قانونية واضحة، دون المساس بسيادة القانون.
2- ضمان حماية حقوق الفئات الهشة، خصوصًا النساء والشباب، في الولوج إلى الأرض.
3- اعتماد آليات بديلة لتسوية النزاعات العقارية محليًا قبل اللجوء إلى القضاء.
الأثر المتوقع:
من شأن تنفيذ هذه التوصية أن يحقق :
* استقرارًا عقاريًا واجتماعيًا مستدامًا؛
* تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية؛
* رفع جاذبية الاستثمار المحلي؛
* تحسين مردودية اللامركزية كرافعة للتنمية.
بقلم الدكتور الاداري الحسين محمد اشويخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى