ا اللامركزية ليست مجرد قوانين وإجراءات، بل هي فكر وطموح.

لا تُختزل اللامركزية في نصوص قانونية جامدة، ولا تُفهم على أنها مجرد حزمة من الإجراءات الإدارية أو ترتيبات تقنية لتوزيع الصلاحيات بين المركز والأطراف، بل هي في جوهرها رؤية فكرية شاملة، وطموح سياسي ومجتمعي يروم إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمجال، وبين القرار والواقع المحلي، تلكم هي رؤية فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد والشيخ الغزواني.
فاللامركزية، في معناها العميق، تعبير عن إيمان راسخ بأن التنمية لا تُفرض من الأعلى، ولا تُدار بعقلية الوصاية المركزية، وإنما تُبنى من القاعدة، حيث يكون المواطن فاعلًا لا متلقيًا، وشريكًا في القرار لا مجرد موضوع له. ومن ثمّ، فإن جوهر اللامركزية يقوم على الاعتراف بتعدد الحاجات واختلاف السياقات المحلية، وعلى احترام الخصوصيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لكل مجال ترابي ولكل بلد كمجتمع.
وإذا كانت القوانين تشكّل الإطار الناظم للامركزية، فإن الفكر هو الذي يمنحها الروح والمعنى. فبدون تحوّل ذهني عميق لدى صانع القرار، ولدى النخب الإدارية والسياسية، والمستهدفين بالقرار تظل اللامركزية حبرًا على ورق، أو ممارسة شكلية لا تتجاوز نقل الاختصاصات دون نقل حقيقي للسلطة، دونما تمكين فعلي للفاعلين المحليين.
إن اللامركزية الحقة تقتضي الانتقال من منطق التحكم إلى منطق الثقة، ومن ثقافة التعليمات إلى ثقافة التعاقد، ومن الإدارة العمودية إلى الحكامة التشاركية،
باعتبار اللامركزية ليست غاية في حد ذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق تنمية عادلة ومتوازنة، تقلّص الفوارق المجالية، وتُعيد الاعتبار للمجالات المهمشة، وتفتح أفق الأمل أمام الجماعات المحلية لتكون فضاءات للإبداع والابتكار في السياسات العمومية.
فهي طموح لبناء دولة قوية بتماسكها، لا بتمركزها؛ دولة تستمد قوتها من حيوية أطرافها، لا من تضخم مركزها.
الا أن هذا الطموح يظل رهينًا بتوافر شروط أساسية، في مقدمتها تأهيل الموارد البشرية المحلية، وضمان الاستقلالية المالية للجماعات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وترسيخ الشفافية في تدبير الشأن العام المحلي. فبدون هذه المقومات، تتحول اللامركزية إلى عبء إداري إضافي، بدل أن تكون رافعة للتنمية والديمقراطية المحلية.
ختاما:
وخلاصة القول، إن اللامركزية ليست مجرد هندسة مؤسساتية أو توزيع للاختصاصات، بل هي مشروع مجتمعي متكامل، يقوم على إعادة الثقة في الإنسان المحلي، وعلى الإيمان بقدرته على تشخيص مشاكله وصياغة حلولها. إنها فكر يؤمن بقيمة القرب، وطموح يتطلع إلى دولة أكثر عدلًا، وأكثر إنصاتًا، وأكثر قدرة على تحويل التنوع المجالي إلى مصدر قوة وتكامل.
بقلم الإداري الدكتور الحسين محمد اشويخ.



