من الشبهات إلى طاولة التحقيق.. تقرير الشفافية يفتح ملف احتراق محطات كهرباء نواكشوط

دخل ملف احتراق محطتي تحويل كهربائيتين في العاصمة نواكشوط مرحلة جديدة، بعد أن أحال الوزير الأول المختار ولد اجاي بشكل عاجل تقرير منظمة الشفافية الشاملة إلى لجنة التحقيق المكلفة بالحادثة، داعياً إلى الاستفادة من مضامينه واتخاذ ما يلزم من إجراءات.

وتأتي هذه الخطوة في سياق التعامل الجاد مع تداعيات الحريقين اللذين شهدهما قطاع الكهرباء خلال النصف الثاني من شهر أغسطس الماضي، وتسببا في اضطرابات واسعة في شبكة التوزيع وانعكاسات مباشرة على حياة السكان والأنشطة الاقتصادية في العاصمة.

ويفتح إحالة التقرير إلى لجنة التحقيق الباب أمام فحص المعطيات والوثائق التي أوردتها منظمة الشفافية، ووضعها أمام الجهات المختصة للتحقق من مدى صحتها، وتحديد الأسباب الفنية والإدارية والقانونية التي أحاطت بالحادثتين.

وكانت منظمة الشفافية الشاملة قد أعلنت، عقب تقصٍّ أولي أجرته بشأن الحريقين، عن وجود مؤشرات قالت إنها تستدعي التحقيق في كابلات جهد متوسط جرى تركيبها وربطها بالمحطتين قبل وقوع الحريقين. كما دعت إلى إخضاع مختلف جوانب الصفقة والأشغال المنفذة لفحص فني وإداري وقانوني شامل.

وتكتسب إحالة التقرير أهمية خاصة لكونها تنقل ما ورد فيه من ملاحظات وشبهات من مستوى النقاش العام إلى المسار المؤسسي للتحقيق، بما يسمح للجهات المختصة بفحص الأدلة والوثائق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

وتشير المعطيات المنشورة إلى أن المنظمة ربطت، في تقريرها الأولي، بين الحريقين وكابلات جهد متوسط تم تركيبها حديثاً، مطالبة بفحص مدى مطابقتها للمواصفات، وطريقة تركيبها وربطها، فضلاً عن التحقق من خبرة الطواقم التي تولت تنفيذ الأشغال.

كما اقترحت المنظمة، ضمن ما أوردته في تقريرها، الاستعانة بالمعطيات التقنية وتسجيلات كاميرات المراقبة وغيرها من وسائل التحقق، مؤكدة أن ما توصلت إليه يمثل معطيات أولية تحتاج إلى التثبت الفني والقانوني قبل استخلاص النتائج النهائية.

ويعكس قرار الوزير الأول بإحالة التقرير بصورة عاجلة حرص السلطات على أن تشمل عملية التحقيق مختلف الفرضيات والمعطيات ذات الصلة، بما يتيح الوصول إلى تفسير واضح لملابسات احتراق المحطتين، وتحديد المسؤوليات، إن ثبت وجود تقصير أو خلل أو مخالفة.

وتبرز أهمية هذا المسار في ظل حساسية قطاع الكهرباء وارتباطه المباشر بالحياة اليومية للمواطنين وبالنشاط الاقتصادي، الأمر الذي يجعل معرفة أسباب الحوادث واتخاذ الإجراءات التصحيحية والوقائية مسألة تتجاوز مجرد معالجة حادث عابر.

كما أن التحقيق المرتقب سيكون مطالباً بالفصل بين الوقائع المثبتة والفرضيات، وبين المسؤولية الفنية والمسؤولية الإدارية أو القانونية، بما يضمن أن تستند النتائج النهائية إلى أدلة قابلة للتحقق، لا إلى الاستنتاجات أو الانطباعات.

وفي انتظار ما ستتوصل إليه لجنة التحقيق، تبدو إحالة التقرير خطوة تؤكد أن ملف محطات الكهرباء لن يُغلق عند حدود احتواء آثار الحريقين، وإنما سيمتد إلى البحث في الأسباب والجوانب الفنية والإدارية المرتبطة بهما.

ويبقى الرهان الآن على أن تقدم التحقيقات إجابات دقيقة وواضحة حول ما حدث، وأن تتحول المعطيات التي أثارتها منظمة الشفافية إلى عناصر قابلة للفحص والتحقق، وصولاً إلى نتائج مسؤولة تحدد مكامن الخلل – إن وجدت – وتقترح الإجراءات الكفيلة بمنع تكرار مثل هذه الحوادث.

وهكذا، ينتقل ملف احتراق محطتي الكهرباء من دائرة التساؤلات والجدل إلى طاولة التحقيق الرسمي، حيث يفترض أن تتولى الأدلة الفنية والوثائق والوقائع وحدها مهمة تحديد الحقيقة، وتقديم الإجابات التي ينتظرها الرأي العام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى