الغدية.. مدينة الذاكرة والمرابطين وخصوصية المكان والإنسان تگانت – تقرير آمنة /أجيون

 

في قلب ولاية تگانت، حيث تتعانق الهضاب والجبال مع الكثبان الرملية، وحيث تبدو الواحات والنخيل وكأنها استراحة خضراء في فضاء صحراوي واسع، تستقر الغدية؛ مدينة تحمل في تضاريسها وذاكرة سكانها شيئًا من تاريخ موريتانيا العميق.

ليست الغدية مجرد تجمع سكاني تحيط به الرمال، بل فضاء تتقاطع فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتلتقي فيه ذاكرة المرابطين مع إرث المحظرة، وتتشكل فيه خصوصية الإنسان من علاقة طويلة مع الأرض وقسوة الطبيعة.

وتتبع الغدية إداريًا لبلدية بوبكر بن عامر، إحدى بلديات ولاية تگانت، وهي منطقة ارتبط اسمها تاريخيًا بضريح القائد المرابطي أبي بكر بن عمر، الذي يمثل واحدًا من أبرز المعالم التاريخية في المنطقة. وتضم الولاية عمومًا عددًا من المعالم التاريخية والطبيعية والمحاظر التي جعلت منها واحدة من أبرز مناطق التراث والثقافة في موريتانيا.

عند الاقتراب من الغدية، لا يواجه الزائر مدينة بالمعنى التقليدي وحده، وإنما يجد نفسه أمام مشهد طبيعي شديد الخصوصية؛ جبال وهضاب، وكثبان رملية، ونخيل وواحات، ومساحات رعوية تمتد في الأفق.

وتتميز تگانت عمومًا بتضاريس جبلية وهضبية، فيما يمثل الجفاف وندرة المياه والعزلة الجغرافية تحديات قديمة لسكان عدد من مناطقها، ومن بينها المناطق التابعة لبلدية بوبكر بن عامر. وقد فرضت هذه الطبيعة على السكان نمطًا خاصًا في العيش والتكيف مع البيئة.

لكن الطبيعة القاسية لم تمنع الإنسان من الاستقرار، بل ربما أسهمت في تشكيل شخصيته؛ فالرعي والزراعة المطرية وزراعة النخيل ظلت من الأنشطة الأساسية في المنطقة، إلى جانب التجارة والأنشطة المرتبطة بالمواشي والمنتجات الزراعية. )

ربما تكمن إحدى أهم خصوصيات الغدية في علاقتها بالعلم والمحظرة.

فمنطقة تگانت عُرفت تاريخيًا بالمحاظر، وبعضها يعود إلى قرون مضت، وخرجت منها أجيال من العلماء وطلاب العلم الذين حملوا المعرفة إلى مناطق مختلفة من البلاد وخارجها. وتشير المصادر الرسمية إلى أن الولاية اشتهرت بمئات المحاظر التي أسهمت في نشر العلوم الشرعية واللغوية والثقافة الشنقيطية. )

وفي الغدية، كما في مناطق أخرى من تگانت، لم تكن المحظرة مجرد بناية أو فضاء للتدريس؛ كانت جزءًا من الحياة الاجتماعية والثقافية، ومؤسسة تؤدي أدوارًا تتجاوز التعليم إلى حفظ الذاكرة واللغة والفقه والشعر والأنساب.

كان الطفل يتعلم في بيئة بسيطة، ويكبر وهو يحمل احترام العلم وأهله، فيما كانت المعرفة تمنح صاحبها مكانة اجتماعية لا تقل عن المكانة التي يمنحها المال أو النفوذ.

وهكذا أصبح العلم جزءًا من شخصية المكان، وأصبحت المحظرة إحدى العلامات التي تفسر جانبًا من خصوصية المجتمع المحلي.

ولسكان الغدية خصوصيتهم التي لا يمكن فصلها عن طبيعة المكان.

فالحياة في هذه المنطقة لم تكن سهلة؛ ندرة المياه، اتساع المسافات، صعوبة التنقل، والاعتماد على المطر والرعي والزراعة، كلها عوامل صنعت مجتمعًا يعتمد على التعاون والتكافل أكثر مما يعتمد على وفرة الموارد.

ومن هنا يمكن فهم حضور قيم الضيافة والكرم والتضامن في الذاكرة الاجتماعية للمنطقة.

فالضيف في المجتمعات الصحراوية لم يكن مجرد عابر سبيل؛ كان مسؤولية أخلاقية، وإكرامه جزءًا من صورة الأسرة ومكانتها. كما أن مساعدة الجار والقريب، وتقاسم الموارد في أوقات الشدة، كانت وسائل ضرورية لمواجهة قسوة البيئة.

وهذه القيم لا تُقرأ في الكتب فقط، وإنما يمكن لمسها في مجالس السكان، وفي طريقة استقبال الزائر، وفي حديث كبار السن عن الماضي، وفي ارتباط الأجيال الجديدة بحكايات الآباء

يزداد ثقل التاريخ في المنطقة بحضور اسم أبي بكر بن عمر المرابطي، الذي ارتبطت به تسمية البلدية، وبوجود ضريحه الذي يعد من أبرز المعالم التاريخية في المنطقة.

وقد جعل هذا الارتباط الغدية وما حولها جزءًا من خارطة الذاكرة المرابطية في موريتانيا، ومنح المكان بعدًا يتجاوز حدوده الجغرافية الحالية.

فالزائر هنا لا يكتفي بمشاهدة الطبيعة، وإنما يقترب من طبقة عميقة من تاريخ الصحراء الكبرى، حين كانت المنطقة فضاءً لحركة العلماء والقوافل والدعاة والقبائل، وحين لعبت الصحراء دورًا في صناعة طرق التجارة وانتقال الأفكار والثقافة.

ورغم هذا الرصيد التاريخي والثقافي، تواجه المنطقة، مثل أجزاء واسعة من تگانت، تحديات مرتبطة بالمياه والعزلة والخدمات الأساسية والتنمية.

وقد ظلت مطالب السكان في بعض الفترات مرتبطة بالحاجة إلى تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير المياه وفك العزلة عن المناطق النائية، وهي مطالب تعكس المفارقة بين ثراء المنطقة التاريخي وصعوبة ظروفها التنموي

وتبدو الحاجة اليوم أكبر إلى تحويل هذا التراث من مجرد ذاكرة محلية إلى مورد ثقافي وسياحي وتنموي، خصوصًا أن تگانت تمتلك مقومات طبيعية وتاريخية وثقافية تؤهلها لتكون وجهة مهمة للسياحة الثقافية والبيئية.

الغدية في النهاية ليست مجرد جبال ورمال ونخيل، وليست مجرد ضريح يحمل اسم قائد مرابطي.

إنها قصة إنسان اختار أن يبني حياته في مكان صعب، وأن يحول العزلة إلى مجال للتعلم، والصحراء إلى وطن، والمحظرة إلى مدرسة، والضيافة إلى قيمة اجتماعية، والذاكرة إلى هوية.

هنا تتحدث الجبال عن صلابة المكان، وتتحدث الرمال عن حركة الزمن، ويتحدث النخيل عن قدرة الإنسان على صناعة الحياة، بينما يحفظ السكان في ذاكرتهم ما لا تستطيع الوثائق وحدها أن تحفظه.

ومن الغدية، يبدو تاريخ تگانت أقرب إلى الناس؛ تاريخ لا يعيش في الكتب فقط، بل في ملامح الشيوخ، وفي مجالس الأهالي، وفي أسماء المحاظر، وفي الحكايات المتوارثة، وفي تلك القيم التي بقيت حاضرة رغم تغير الزمن.

سلام على الغدية وأهلها؛ على أرضها التي احتضنت ذاكرة المرابطين، وعلى محاظرها التي حفظت العلم، وعلى رجالها ونسائها الذين ورثوا من الصحراء الصبر، ومن المجتمع الشنقيطي الكرم، ومن التاريخ الاعتزاز بالمكان.

فالغدية ليست مدينة تعيش على هامش التاريخ؛ إنها واحدة من تلك الأماكن التي يحتاج التاريخ نفسه إلى أن يعود إليها، كي يتذكر أن أعظم الحكايات قد تولد أحيانًا في أكثر الأماكن هدوءًا وبعدًا عن صخب المدن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى