رجال اوفياء.. حين تتجسد الوطنية في المواقف والعطاء.آمنة /آمنة أجيون

ليس كل من تقلّد منصبًا يستحق أن يُذكر، وليس كل من تولّى مسؤولية يترك أثرًا طيبًا في النفوس؛ فهناك رجال تصنعهم المواقف، وتمنحهم أخلاقهم ومبادئهم مكانة تتجاوز حدود المناصب
ومن بين هؤلاء يبرز اسمان جمعتهما قيم الصدق والإخلاص والشهامة والوطنية، وإن اختلفت مواقع المسؤولية ومجالات العمل: الدكتور محمد ولد ببانه، وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق باسم الحكومة، والدكتور محمد عبد القادر ولد اعلاده، المدير العام لإذاعة موريتانيا.
الدكتور محمد ولد ببانه.. حين تتحول الهوية إلى ممارسة
منذ توليه حقيبة وزارة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، اختار الدكتور محمد ولد ببانه أن يبدأ بخطوة تحمل دلالة ثقافية ووطنية عميقة، تمثلت في اعتماد اللغة العربية لغةً للتعامل الإداري، والتأكيد على تقديم التقارير والمراسلات الموجهة إليه باللغة العربية.
ولعل ما يميز هذه المبادرة أنها جاءت في قطاع تقع على عاتقه مسؤولية صيانة الثقافة الوطنية وتعزيز الهوية، حيث لم يكتف الوزير بالحديث عن مكانة اللغة العربية وأهميتها، بل اتجه إلى ترجمة ذلك إلى ممارسة إدارية ملموسة، من خلال جعلها لغة التقارير والتعامل داخل محيط الوزارة.
لم تكن الخطوة مجرد إجراء إداري عابر، بل حملت رسالة واضحة مفادها أن الاعتزاز باللغة الرسمية للبلاد ينبغي أن يتجسد في الممارسة اليومية داخل مؤسسات الدولة، وأن مكانة العربية لا تُصان بالشعارات وحدها، وإنما بإعطائها موقعها الطبيعي في الإدارة والتسيير وصناعة القرار.
لقد أعاد بهذه المبادرة التأكيد على أن حماية الهوية اللغوية والثقافية مسؤولية مؤسسية، وأن الانتقال من المبادئ المعلنة إلى الممارسة الفعلية هو ما يمنح المبادرات قيمتها وأثرها.
أما الدكتور محمد عبد القادر ولد اعلاده، المدير العام لإذاعة موريتانيا، فقد ارتبطت تجربته الإدارية برؤية تجعل من الإذاعة الوطنية أكثر من مجرد وسيلة إعلامية لنقل الأخبار وبث البرامج؛ لتكون مؤسسة وطنية قريبة من المواطن، حاضرة في تفاصيل حياته اليومية، ومنبرًا لتقديم الخدمات العمومية والتفاعل مع قضايا المجتمع واهتماماته.
لقد عمل على تعزيز دور الإذاعة باعتبارها فضاءً للخدمة العمومية، لا تقتصر رسالته على الإعلام الإخباري، بل تمتد إلى الثقافة والتراث والمحظرة والصحة والتوعية والعمل التطوعي، وترسيخ قيم المواطنة والاعتزاز بالهوية الوطنية.
وهكذا أصبحت رسالة الإذاعة، وفق هذه الرؤية، مرتبطة بالإنسان في مختلف تفاصيل حياته، وبالمجتمع في تنوع اهتماماته، وبالوطن في ذاكرته الثقافية والحضارية.
ومن أبرز ملامح تجربته اهتمامه بالعنصر البشري، وإيمانه بأن الكادر المهني هو الثروة الحقيقية للمؤسسة، والركيزة التي تقوم عليها قدرتها على أداء رسالتها. فقد حرص على منح العاملين الثقة، وإشراكهم في تحمل المسؤولية، وفتح المجال أمام طاقاتهم ومواهبهم، انطلاقًا من قناعة بأن نجاح المؤسسة لا يصنعه المسؤول وحده، وإنما تصنعه سواعد فريق يؤمن برسالته ويشعر بقيمته ودوره.
كما عُرف بقربه من عمال الإذاعة، وحرصه على التعامل معهم بروح المسؤولية والتقدير، واضعًا ثقته في كفاءاتهم، ومؤمنًا بأن الإدارة الناجحة ليست مجرد إصدار للتعليمات، بل هي قدرة على بناء فريق متماسك، وتحفيز العاملين، وتحميلهم مسؤولية النجاح، وإشعارهم بأنهم شركاء في صناعة مستقبل مؤسستهم.
إن الاهتمام بالعاملين، والثقة في قدراتهم، وإشراكهم في تحمل أعباء المسؤولية، ليست تفاصيل إدارية ثانوية، بل هي من أهم مقومات الإدارة التي تؤمن بأن الإنسان هو أساس نجاح المؤسسات واستمرار عطائها.
قد تختلف مجالات عمل الرجلين، لكن ما يجمعهما هو الإيمان بأن المسؤولية تكليف قبل أن تكون تشريفًا، وأن خدمة الوطن لا تتحقق بالمناصب وحدها، بل بالصدق في الأداء، والإخلاص في العمل، والقدرة على ترك أثر طيب في المؤسسات والمجتمع.
فالأول جعل من اللغة والهوية مدخلًا لتعزيز حضور الثقافة الوطنية في الإدارة، والثاني جعل من الإذاعة فضاءً لخدمة المواطن، ومن الكادر البشري ركيزة أساسية لنجاح المؤسسة الإعلامية.
إن الحديث عنهما ليس مجرد مجاملة عابرة، وإنما شهادة تقدير لتجربتين تستحقان التوقف عندهما، ولرجلين يدركان أن قيمة المسؤول تكمن فيما يقدمه، وفي الأثر الذي يتركه، وفي علاقته بالإنسان الذي يعمل معه ويخدمه.
قال تعالى :
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
فالرجال مواقف، والشهامة أخلاق، والوطنية ممارسة، والوفاء عهد لا يتغير بتغير المواقع.
تحية تقدير وإجلال لمن جسدا نموذجا للمسولية ووالوطنية والعطاء تحية لمن جعلا من مواقعهما جسورًا لخدمة الوطن والمواطن



