حين تنقلب معايير التقدير: المسؤولية إنجاز لا مسابقة تصفيق.

ما أغرب أن تنقلب معايير التقدير في زمنٍ يُفترض أن تكون فيه المسؤولية العامة امتحانًا للإنجاز، لا مسابقةً في التصفيق!
يطلّ «زيدان» من هنا، فيبدأ التزمير، وتنهال عبارات المديح على مسؤولٍ بعينه، فتتسع الابتسامة، ويعلو السرور، وكأن المسؤول لم يعد ينتظر شهادة عمله من الناس، بل شهادة «زيدان» ومن يقف خلفه.
وهنا يحق لنا أن نسأل، بلا مواربة:
هل أصبحت قيمة المسؤول تُقاس بما يُقال عنه، أم بما يفعله؟ وهل أصبح مقدار التهليل مرتبطًا بمقدار ما يُدفع؟
إن كان الأمر كذلك، فنحن أمام خلل يتجاوز حدود الإعلام إلى جوهر المسؤولية العامة.
المسؤول الذي يستحق الاحترام لا يحتاج إلى من يصنع له هالةً صوتية، ولا إلى من يرفع اسمه في كل مناسبة، ولا إلى من يوزع عليه ألقاب النجاح قبل أن تظهر نتائجه على الأرض.
فالناس أذكى من أن تُخدع طويلًا بالضجيج.
هم يرون الطرق، والمرافق، والخدمات، والإدارة، والنتائج. يرون ما تحقق وما لم يتحقق. ويعرفون، قبل كل عبارات المديح، من يعمل ومن يكتفي بأن يبدو وكأنه يعمل.
أما أن يتحول بعض الخطاب الإعلامي إلى ما يشبه «سوق المديح»، حيث يكون لكل مسؤول نصيبه من التهليل بحسب قدرته على الدفع، فهذه ليست صناعة صورة فحسب؛ إنها إساءة إلى قيمة الكلمة نفسها.
فالكلمة حين تُباع تفقد هيبتها، والإشادة حين تُشترى تفقد معناها.
والأكثر إيلامًا أن يعتاد المسؤول هذا النوع من التلميع، فيصبح النقد بالنسبة إليه إزعاجًا، والمديح دليلًا على النجاح، والتصفيق معيارًا للرضا العام.
وهنا تضيع البوصلة.
المسؤول العام ليس بحاجة إلى أن يسمع كل يوم أنه عظيم؛ بل هو بحاجة إلى أن يعرف أين أخطأ، وماذا أنجز، وما الذي ينتظره المواطن منه.
المسؤولية ليست كرسيًا وابتسامة أمام الكاميرا، وليست حشدًا من الأصوات التي تهتف باسم صاحب المنصب. المسؤولية أمانة، ومحاسبة، ونتائج.
ومن حق المسؤول أن يُشكر عندما يُحسن، ومن واجب الإعلام أن يبرز الإنجازات الحقيقية. لكن الفرق كبير بين الإشادة المهنية والتلميع المدفوع؛ بين أن تمدح عملًا يستحق المديح، وأن تصنع من شخصٍ ناجحًا بمجرد أن تكرر اسمه مئات المرات.
فإذا كان من يدفع أكثر يحظى بتهليل أكثر، فأين تذهب قيمة من يعمل بصمت ولا يملك ميزانيةً لشراء التصفيق؟
وأين يذهب المسؤول الذي يرفض أن تتحول وظيفته إلى حملة علاقات عامة دائمة؟
ثم، في النهاية، من الذي يجب أن يخشاه المسؤول؟
أصوات المصفقين؟ أم أسئلة المواطنين؟
المسؤول الذي يطمئن إلى إنجازه لا يخشى النقد، والذي يملك نتائج حقيقية لا يحتاج إلى من يزمر له.
أما التزمير، مهما علا صوته، فلا يستطيع أن يحجب الحقيقة إلى الأبد.
فالإنجاز لا يحتاج إلى طبول، والنجاح لا يحتاج إلى شراء الألسنة، والاحترام الحقيقي لا يُدفع ثمنه.
إنه يُكتسب.



