لكويرة في قلب معادلة السيادة.. هل تفتح نواكشوط ملف الحدود وتعيد ترتيب أوراق الصحراء

؟
قراءة سياسية واستراتيجية
تعود منطقة لكويرة إلى واجهة النقاش السياسي الموريتاني عبر منصات التواصل الاجتماعي، حاملةً معها أسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى جوهر السيادة والمصالح الوطنية، وتعيد طرح إشكالية العلاقة بين التاريخ والواقع السياسي والقانوني في منطقة شديدة الحساسية من الصحراء الغربية.
ويبرز في هذا السياق سؤال جوهري: هل آن الأوان أمام نواكشوط لإعادة فتح النقاش بشأن الوضع القانوني والحدودي لمنطقة لكويرة، واستجلاء ما يرتبط بها من اعتبارات تاريخية وجغرافية واستراتيجية، في ضوء موقعها المتصل بشبه جزيرة الرأس الأبيض وقربها من مدينة نواذيبو ومجالها البحري؟
بالنسبة إلى موريتانيا، لا ينبغي اختزال هذا الملف في سجالات عابرة على منصات التواصل الاجتماعي، كما لا يصح التعامل معه بمعزل عن سياقه التاريخي وتوازناته الإقليمية. فهو موضوع يستحق دراسة معمقة تستند إلى الوثائق والخرائط والاتفاقيات، وتضع المصالح الوطنية في صلب أي مقاربة، بعيداً عن الانفعال أو إطلاق الأحكام غير المسندة.
من الذاكرة التاريخية إلى الحجة القانونية
إن طرح مسألة أحقية موريتانيا في لكويرة، من منظور المطالبات والقراءات الوطنية، يستدعي الانتقال من الخطاب التعبوي إلى بناء مقاربة علمية وقانونية متكاملة، تستند إلى الوثائق التاريخية، والخرائط المعتمدة، والاتفاقيات ذات الصلة، وما ترتب عليها من التزامات ومواقف دولية.
فالأهمية الاستراتيجية للموقع، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لإثبات السيادة، مثلما لا يمكن حسم القضايا الحدودية بالاستناد إلى الروايات التاريخية وحدها. إذ تظل الأدلة القانونية والاتفاقيات والوقائع المعترف بها دولياً عناصر أساسية في تقييم أي طرح يتعلق بالحدود أو السيادة الإقليمية.
وتزداد المسألة تعقيداً عند استحضار التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة، ولا سيما اتفاق مدريد لعام 1975، واتفاق الجزائر الموقع في 10 أغسطس 1979، ثم اعتراف موريتانيا بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1984. وتمثل هذه المحطات جزءاً أساسياً من السياق الذي ينبغي أن تُقرأ ضمنه أي نقاشات تتعلق بمستقبل المنطقة ووضعها القانوني.
ومن هنا، فإن أي حديث عن إعادة فتح ملف لكويرة يحتاج إلى تدقيق في مضمون الاتفاقيات ذات الصلة، وتحديد ما إذا كانت هناك مسائل حدودية لم تُحسم قانونياً، أو جوانب تستدعي توضيحاً رسمياً، مع التمييز بين المطالبات السياسية والحقوق التي يمكن إثباتها قانونياً.
نواذيبو وحسابات الأمن البحري
لا تنبع أهمية لكويرة من رمزيتها التاريخية فحسب، بل ترتبط أيضاً بموقعها الجغرافي ضمن المجال الساحلي المحاذي لنواذيبو، وما يثيره ذلك من اعتبارات تتعلق بالأمن البحري، وحماية المصالح الاقتصادية، وإدارة المجال الساحلي.
وفي منطقة تتداخل فيها الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية، تكتسب المعرفة الدقيقة بالحدود البحرية والبرية أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول المعنية. فوضوح الأطر القانونية المنظمة للمجال الجغرافي من شأنه أن يعزز الاستقرار، ويحد من التأويلات المتعارضة، ويفتح المجال أمام تعاون إقليمي قائم على المصالح المتبادلة واحترام الالتزامات الدولية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التمييز بين تداول مقترحات بشأن ترسيم الحدود أو مراجعة بعض ترتيباتها، وبين وجود مسار رسمي معتمد أو اتفاق قانوني نافذ. فلا يمكن اعتبار ما يجري تداوله على منصات التواصل الاجتماعي تحولاً في الموقف الرسمي الموريتاني، ما لم تؤكده الجهات المختصة وتدعمه الوثائق ذات الصلة.
بين السيادة وحسن الجوار
إن الدفاع عن المصالح الوطنية لا يستلزم بالضرورة الدخول في مواجهة مع المغرب، كما أن الحرص على علاقات حسن الجوار لا يعني إغلاق باب النقاش حول المسائل التاريخية والقانونية التي تهم موريتانيا.
فالدبلوماسية الفاعلة تقوم على التوازن بين حماية المصالح الوطنية واحترام الالتزامات الدولية، وبين وضوح المواقف وتجنب التصعيد غير الضروري. كما تقتضي مراعاة تعقيدات قضية الصحراء الغربية، وما يرتبط بها من مواقف سياسية وقانونية متعددة، بما في ذلك حقوق الشعب الصحراوي ومسارات تسوية النزاع.
وعليه، فإن أي مقاربة موريتانية لملف لكويرة ينبغي أن تنطلق من دراسة موثقة، وأن تتجنب تحويل النقاش إلى سجال سياسي أو إعلامي قد تتجاوز تداعياته الأهداف المعلنة منه.
هل تحتاج نواكشوط إلى توضيح موقفها؟
إن عودة لكويرة إلى النقاش العام تطرح تساؤلات بشأن الحاجة إلى إتاحة مزيد من المعلومات التاريخية والقانونية حول وضع المنطقة، وتوضيح ما هو محسوم في الاتفاقيات، وما يدخل في نطاق القراءات السياسية أو المطالبات المتداولة.
وقد يكون من المفيد أن تتاح للباحثين والمهتمين فرصة الاطلاع على الوثائق ذات الصلة، بما يسمح ببناء نقاش عام يستند إلى المعرفة، ويجنب الرأي العام الخلط بين الأحقية التاريخية والسيادة القانونية، وبين المواقف الفردية والقرارات الرسمية.
فالقضايا الحدودية لا تُحسم بارتفاع الأصوات، بل بقوة الوثائق، ودقة التحليل، ووضوح المسارات الدبلوماسية والقانونية. وكلما استند النقاش إلى معلومات موثوقة، ازدادت فرص فهم أبعاد القضية بعيداً عن المبالغة أو التوظيف السياسي.
خاتمة: المصالح الوطنية أولاً
ليست لكويرة مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها مدخل إلى نقاش أوسع حول علاقة موريتانيا بتاريخها الجغرافي، ومصالحها الاستراتيجية، وموقعها في معادلات الصحراء الغربية.
فالتاريخ يساعد على فهم جذور القضية، والجغرافيا تكشف أهمية الموقع، لكن الوثائق القانونية والاتفاقيات تظل المرجع الأساسي لتقييم أي مطالبة تتعلق بالسيادة والحدود.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يستحق أن يتصدر النقاش اليوم ليس مع من تقف موريتانيا، بل كيف يمكن لنواكشوط أن تحمي مصالحها الوطنية، وتوضح موقفها من المسائل الحدودية وفق الأدلة المتاحة، وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال قرارها وعلاقاتها الإقليمية.
فهل تفتح عودة لكويرة إلى واجهة النقاش فرصةً لمراجعة الملف من منظور تاريخي وقانوني واستراتيجي، أم ستظل القضية أسيرة السجال السياسي على منصات التواصل الاجتماعي؟


