من المهجر إلى التنمية.. الغزواني يفتح صفحة جديدة مع الجاليات الموريتانية في الخارج

 

نحو شراكة مؤسسية تستثمر الكفاءات والأموال والخبرات في بناء الوطن وصناعة مستقبله

أشرف رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، اليوم الجمعة، بقصر المؤتمرات «المختار ولد داداه» في نواكشوط، على افتتاح النسخة الأولى من منتدى الجاليات الموريتانية في الخارج، بمشاركة نحو 700 شخص قدموا من مختلف قارات العالم، في لقاء يهدف إلى تعزيز صلة الموريتانيين في المهجر بوطنهم، وتوسيع إسهامهم في مسيرة التنمية الوطنية.

وأكد رئيس الجمهورية، في خطابه بالمناسبة، أن تنظيم المنتدى يعكس إرادة وطنية للارتقاء بالعلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج إلى مستوى أكثر تنظيما وفعالية، يقوم على التشاور المستمر، وصون الحقوق، وتيسير الخدمات، وتعبئة الكفاءات، وتوسيع فرص المشاركة في التنمية الوطنية.

ويشكل المنتدى، المنظم من طرف وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، محطة مهمة في مسار تعزيز التواصل بين الدولة والجاليات، من خلال مناقشة التحديات التي تواجه المواطنين في المهجر، والبحث عن حلول عملية تستجيب لتطلعاتهم وتدعم مشاركتهم في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

من الرعاية الإدارية إلى الشراكة المؤسسية

حمل خطاب الرئيس الغزواني توجها واضحا نحو بناء علاقة جديدة مع الجاليات الموريتانية، تتجاوز المعالجة الإدارية للمشكلات اليومية إلى شراكة مؤسسية مستدامة، تجعل من المواطنين المقيمين في الخارج شركاء في تحديد الأولويات الوطنية والمساهمة في تنفيذ البرامج التنموية.

وفي هذا السياق، استعرض رئيس الجمهورية عددا من الإجراءات التي اتخذتها الدولة لتعزيز حقوق الجاليات وتيسير أوضاعها، من بينها إعادة تنظيم القطاع المكلف بالشؤون الخارجية وإبراز اختصاصه المتعلق بالموريتانيين في الخارج، وتعديل قانون الجنسية بما يتيح ازدواجيتها وفق الضوابط القانونية، وتعزيز المشاركة السياسية للجاليات من خلال انتخاب ممثليها في الجمعية الوطنية بصورة مباشرة.

كما أبرز أهمية تحديث الخدمات القنصلية ورقمنتها، مشيرا إلى الدور الذي يؤديه تطبيق «هويتي» في تسهيل الحصول على الوثائق المدنية وتخفيف العراقيل الإدارية التي كانت تواجه المواطنين في المهجر.

وتعكس هذه الإجراءات توجها نحو تطوير آليات أكثر فاعلية للتواصل والخدمة والتمثيل، بما يعزز ثقة الجاليات في مؤسسات الدولة، ويجعل علاقتها بالوطن أكثر انتظاما واستجابة لاحتياجاتها.

الاستثمار والكفاءات في قلب الرؤية التنموية

وفي البعد الاقتصادي، دعا رئيس الجمهورية رجال الأعمال والمستثمرين الموريتانيين في الخارج إلى اغتنام الفرص التي يتيحها الاقتصاد الوطني، والمساهمة في خلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، ودعم التنمية المحلية.

كما دعا الكفاءات الوطنية المقيمة في الخارج إلى الإسهام في تطوير المؤسسات الوطنية وتعزيز البحث العلمي والابتكار، بما يسمح بالاستفادة من الخبرات التي راكمها الموريتانيون في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المهنية والاقتصادية عبر العالم.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة بالنظر إلى ما تمثله الجاليات من رصيد بشري واقتصادي ومعرفي، لا يقتصر على التحويلات المالية، بل يشمل الخبرات التقنية والعلاقات التجارية والقدرة على استقطاب الاستثمارات وفتح آفاق جديدة أمام الاقتصاد الوطني.

ومن شأن توظيف هذه الإمكانات أن يسهم في تنويع النشاط الاقتصادي، وتوسيع قاعدة الاستثمار الخاص، وخلق فرص العمل، وتعزيز الشراكات مع الأسواق والمؤسسات الدولية.

غير أن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطا بتوفير بيئة استثمارية جاذبة، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الشفافية، وتطوير آليات حماية الاستثمارات وتسهيل التحويلات والمعاملات التجارية.

الجاليات.. امتداد للوحدة الوطنية وإشعاع موريتانيا في العالم

ولم يقتصر خطاب الرئيس الغزواني على الجوانب الإدارية والاقتصادية، بل استحضر الدور التاريخي الذي اضطلع به المهاجرون الموريتانيون في نشر المعرفة وتعزيز الحضور الحضاري للبلاد، مشيدا بمواقفهم خلال جائحة كوفيد-19، حين بادروا إلى دعم وطنهم بخبراتهم وعلاقاتهم وإمكاناتهم.

ودعا رئيس الجمهورية أبناء الجاليات إلى مواصلة تمثيل موريتانيا خير تمثيل، وصون سمعتها، والإسهام في نهضتها، وأن يكونوا قوة بناء ورافدا للتنمية وسياجا يحمي وحدة البلاد ولحمة أبنائها.

ويعكس هذا التوجه إدراكا لأهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه الموريتانيون في الخارج في تعزيز صورة بلدهم، وتوسيع حضوره الثقافي والاقتصادي، وبناء جسور التواصل مع المجتمعات والمؤسسات الدولية.

كما يضع التأكيد على صون الوحدة الوطنية مسؤولية مشتركة بين المواطنين داخل البلاد وخارجها، ويجعل من الانتماء الوطني رابطة تتجاوز الحدود الجغرافية وتوحد الموريتانيين حول مستقبل مشترك.

700 مشارك ومسار تشاوري شمل 22 دولة

وتكتسب النسخة الأولى من المنتدى أهميتها من حجم المشاركة وتنوعها، إذ جمعت نحو 700 مشارك من مختلف قارات العالم، بعد مسار تشاوري شمل لقاءات مع الجاليات الموريتانية في 22 دولة موزعة على أربع قارات.

ويتضمن برنامج المنتدى ورشات متخصصة تتناول حقوق الجاليات ومشاركتها السياسية، وتطوير آليات التواصل والتمثيل، فضلا عن دور الموريتانيين في الخارج في الترويج للسياحة الوطنية، واستقطاب الاستثمارات، وتنشيط المبادلات التجارية.

كما يتيح المنتدى فرصة لتبادل التجارب ومناقشة التحديات التي تواجه الموريتانيين في بلدان الإقامة، وبحث سبل تعزيز الروابط الثقافية والاجتماعية والاقتصادية مع الوطن.

التحدي الأكبر.. تحويل التوصيات إلى نتائج ملموسة

ورغم أهمية المنتدى وما يحمله من فرص لتطوير العلاقة بين الدولة والجاليات، فإن نجاحه الفعلي سيظل مرتبطا بمدى القدرة على تحويل مخرجاته إلى برامج وإجراءات قابلة للتنفيذ، تستجيب لانشغالات المواطنين في الخارج وتوفر آليات واضحة لمتابعة الالتزامات.

وقد أكد رئيس الجمهورية أنه وجّه باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لمتابعة مخرجات المنتدى وإيلائها العناية والاهتمام اللازمين، وهو ما يضع مرحلة ما بعد المنتدى أمام مسؤولية ترجمة النقاشات والتوصيات إلى خطوات عملية، خصوصا في مجالات تحسين الخدمات القنصلية، وحماية الحقوق، وتسهيل الاستثمار، وتعزيز التمثيل السياسي، وربط الكفاءات الوطنية بمؤسسات البلاد.

إن تنظيم هذا المنتدى يمثل خطوة مهمة نحو مأسسة الحوار بين الدولة ومواطنيها في الخارج، لكنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام استحقاق أكبر، يتمثل في بناء شراكة دائمة تتجاوز اللقاءات الظرفية، وتقوم على التواصل المستمر وتحديد الأولويات وتقييم النتائج.

وبذلك، فإن الرسالة الأبرز التي حملها خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هي أن الموريتانيين في الخارج ليسوا مجرد مواطنين تفصلهم المسافات عن وطنهم، بل يمثلون رصيدا وطنيا من الخبرات والاستثمارات والعلاقات الدولية، وشركاء محتملين في التنمية وصناعة المستقبل.

ومن المهجر إلى التنمية، تتجه الرؤية المعلنة إلى تحويل الانتشار الموريتاني عبر العالم إلى فرصة استراتيجية لتعزيز الاقتصاد الوطني وتطوير المؤسسات وتوسيع الحضور الموريتاني دوليا. ويبقى الرهان الحقيقي هو أن تتحول هذه الرؤية إلى شراكة مستدامة، يشعر المواطن الموريتاني في الخارج بأثرها في حياته، ويلمس الوطن نتائجها في اقتصاده وتنميته ومستقبله.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى