حين يصبح القلم سلعة… وتصبح الكلمة أسيرة .بقلم /آمنة /أجيون

ليس القلم مجرد أداةٍ تُحرَّك بين الأصابع، ولا الكلمة حروفًا تُرصّ في سطور؛ فبينهما وبين الحرية عهدٌ قديم، وبينهما وبين الحقيقة ميثاقٌ لا ينبغي أن يُنقض.

لكن ماذا يحدث حين تضيق مساحة الحرية، ويصبح القلم رهين الحاجة، وتدخل الكلمة في مزاد المصالح؟ ماذا يحدث حين لا يعود الكاتب يسأل نفسه: «ماذا يجب أن أقول؟»، بل «ماذا يُسمح لي أن أقول؟».

هناك، تبدأ الحكاية الأكثر إيلامًا؛ حين لا يُكسر القلم، بل يُروَّض، ولا تُغلق الأفواه بالقوة، بل تُثقل بالخوف والحسابات، حتى يصبح الصمت أكثر أمانًا من الحقيقة، والمجاملة أكثر ربحًا من الصراحة.

وحين تتحول الكلمة من رسالةٍ تحمل وجع الناس وأسئلتهم إلى سلعةٍ تُباع لمن يدفع، لا تكون الخسارة خسارة صحفي أو كاتب فحسب، بل خسارة مجتمعٍ يفقد إحدى أهم نوافذه على الحقيقة.

فالكلمة الحرة قد تُزعج، وقد تثير الأسئلة، وقد تفتح أبوابًا لا يرغب البعض في فتحها؛ لكنها، في نهاية المطاف، هي التي تمنح المجتمع فرصة أن يرى نفسه كما هو، لا كما يُراد له أن يبدو

ليس أخطر على الكلمة من أن تفقد حريتها، ولا أشد قسوة على القلم من أن يتحول من أداةٍ للبحث عن الحقيقة إلى وسيلةٍ لتحصيل الرزق، تُقاس قيمته بما يدرّه، لا بما يقوله.

فحين يصبح القلم مصدرَ رزقٍ مشروطًا، تدخل الكلمة في حسابات السوق، وتغدو الحقيقة قابلةً للمساومة، ويصبح الصمت أحيانًا أكثر ربحًا من الكلام، وأكثر أمانًا من قول ما ينبغي أن يُقال.

وهنا تبدأ المأساة.

ليست المشكلة في أن يعيش الكاتب من قلمه؛ فالقلم مهنة، والصحافة عمل، ومن حق صاحب الكلمة أن يجد في مهنته كرامةً ورزقًا. لكن الخطر يبدأ حين يصبح الرزق ثمنًا للصمت، وحين تتحول الحاجة إلى قيدٍ غير مرئي يلتف حول المعنى، فيكتب المرء ما يُرضي، لا ما يرى، ويقول ما يُسمح له أن يقول، لا ما تمليه عليه الحقيقة.

الكلمة الحرة لا تبحث عن خصومة، لكنها لا تخشى الحقيقة. ولا تتعمد الإساءة، لكنها لا تجامل على حساب الحق. وهي لا تقف ضد أحد لمجرد الوقوف ضده، بل تقف حيث ينبغي أن يقف الضمير: إلى جانب الإنسان، والحق، والمصلحة العامة.

وما أقسى أن يصبح الصحفي حارسًا على باب الحقيقة، لكنه لا يملك مفتاحه.

إن مصادرة الحريات لا تبدأ دائمًا بإغلاق صحيفة أو اعتقال صحفي؛ فقد تبدأ بصورة أكثر نعومة: بإغراءٍ هنا، وضغطٍ هناك، بمنصبٍ يُمنح، وفرصةٍ تُحجب، وإقصاءٍ يُمارس بصمت، حتى يتعلم القلم كيف يختار عباراته قبل أن يختارها ضميره.

ومع الوقت، يصبح القيد عادة، والخوف مهنة، والصمت لغةً ثانية.

لكن الكلمة التي تُقيد اليوم قد تجد طريقها غدًا، لأن الحقيقة لا تموت لمجرد أن أحدًا أغلق عليها نافذة. قد تتأخر، قد تُحاصر، وقد يُحاول البعض طمسها، لكنها تظل تبحث عن صوتٍ يحملها، وعن قلمٍ لا يساوم عليها.

إن المجتمعات لا تُقاس فقط بعدد صحفها ومنصاتها، بل بمقدار المساحة التي تتركها للكلمة الحرة، وبقدرة الصحفي على أن يسأل دون خوف، وينتقد دون انتقام، ويكتب دون أن ينظر خلف كتفه.

فالصحافة ليست زينةً في المشهد العام، وليست صوتًا يُستدعى حين يُراد له أن يصفق، ثم يُطلب منه الصمت حين يقترب من الأسئلة الصعبة. إنها عين المجتمع، وذاكرته، وضميره المهني.

وحين تُضعف هذه العين، يزداد الظلام.

وحين يُخرس الضمير، يصبح الخطأ أكثر أمانًا من الحقيقة.

لذلك، فإن الدفاع عن حرية الكلمة ليس دفاعًا عن الصحفي وحده؛ إنه دفاع عن حق المجتمع في أن يعرف، وحق المواطن في أن يسأل، وحق الوطن في أن يرى أخطاءه بوضوح حتى يستطيع إصلاحها.

ويبقى القلم، مهما اشتدت القيود، أرفع من أن يكون مجرد سلعة.

فالمال ينتهي، والمناصب تتغير، والوجوه تغيب، أما الكلمة الصادقة فتبقى شاهدًا على زمنها.

وقد يربح الإنسان كثيرًا حين يبيع كلمته، لكنه يخسر شيئًا لا يُشترى بالمال: احترامه لقلمه، وسلامه مع ضميره.

فليكن القلم مصدر رزق، نعم؛ ولكن لا تجعلوا منه مصدرًا للصمت.

ولتكن الكلمة مهنة، نعم؛ ولكن لا تجعلوا منها بضاعةً في سوق المساومات.

فحين تُصان حرية القلم، تُصان كرامة الكلمة، وحين تُصان الكلمة، يبقى في المجتمع متسعٌ للحقيقة… ومتسعٌ للأمل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى