هل الأحزاب تمكّن المرأة سياسياً… أم تستعملها انتخابياً بقلم آمنة /أجيون

في كل موسم انتخابي، تتقدم المرأة إلى الواجهة. تحضر في المهرجانات، وتشارك في الحملات، وتحشد الأصوات، وتملأ المشهد السياسي بحضور لافت. لكن السؤال الذي يستحق التأمل لا يتعلق بما تفعله المرأة أثناء الانتخابات، بل بما يحدث بعد أن تُغلق صناديق الاقتراع.

هل يتحول هذا الحضور إلى مشاركة حقيقية في صناعة القرار، أم يظل في بعض الحالات مرتبطاً بحسابات انتخابية مؤقتة؟

ليس من الإنصاف وضع جميع الأحزاب في خانة واحدة؛ فقد أسهمت قوى سياسية عربية، وفي بلادنا، في فتح المجال أمام المرأة، ودعم ترشحها وإيصالها إلى مواقع نيابية وقيادية. كما أن المرأة نفسها أثبتت، في أكثر من تجربة، أنها ليست مجرد رقم انتخابي، بل شريك قادر على المبادرة وتحمل المسؤولية.

لكن التجربة تكشف أيضاً عن فجوة بين المشاركة والتمكين.

فالمرأة قد تكون حاضرة بقوة في الحملات، بينما يكون حضورها أقل في مواقع صياغة القرار داخل الهياكل الحزبية. وقد تُستدعى للتعبئة والتواصل مع القواعد، ثم تتراجع مساحة حضورها عندما تبدأ مرحلة توزيع المسؤوليات ورسم السياسات.

وهنا لا يتعلق الأمر بالمرأة وحدها، بل بصورة العمل السياسي نفسه.

المرأة العربية… من الحضور إلى التأثير

حققت المرأة العربية خلال العقود الأخيرة تقدماً مهماً في التعليم والعمل العام والبرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة. وفي موريتانيا، استطاعت المرأة أن تثبت حضورها في السياسة والإعلام والإدارة والمجتمع المدني، وأن تنتقل تدريجياً من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل.

غير أن التحدي المقبل ليس مجرد زيادة عدد النساء في المؤسسات السياسية، بل تعزيز نوعية حضورهن.

فالتمكين الحقيقي يعني أن تكون المرأة موجودة حيث تُناقش البرامج، وتصاغ المواقف، وتتخذ القرارات؛ لا أن يقتصر دورها على الواجهة الانتخابية أو الملفات التي يُنظر إليها تقليدياً باعتبارها قضايا نسائية.

نقد مطلوب… وشراكة مطلوبة أكثر

النقد هنا لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة مع الأحزاب، ولا إلى اتهام شامل لها باستعمال المرأة.

الأحزاب جزء أساسي من الحياة الديمقراطية، وهي نفسها مطالبة بالتطور، كما أن النساء مطالبات بالعمل على بناء حضور سياسي قائم على الكفاءة والمبادرة والاستقلالية، لا على انتظار التزكية أو الحضور الرمزي.

ولهذا فإن القضية ليست: هل الأحزاب ضد المرأة؟

بل: إلى أي حد تستطيع الأحزاب أن تجعل مشاركة المرأة جزءاً دائماً من بنيتها السياسية، لا مجرد استجابة لمتطلبات الانتخابات؟

وهذا سؤال مشروع، بل ضروري، لأن قوة الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد النساء المشاركات، وإنما بقدرة النظام السياسي على تحويل مشاركتهن إلى تأثير حقيقي.

ما الذي يمكن فعله؟

ربما لا تحتاج القضية إلى شعارات جديدة بقدر حاجتها إلى خطوات عملية:

أولاً: أن تضع الأحزاب معايير واضحة وعادلة لترقية النساء إلى مواقع القيادة، على أساس الكفاءة والاستحقاق.

ثانياً: أن تستثمر في تدريب الكوادر النسائية سياسياً وإعلامياً وقانونياً، لا قبل الانتخابات فقط، بل بصورة مستمرة.

ثالثاً: أن تفتح للنساء مجال المشاركة في صياغة البرامج والمواقف السياسية، وأن تتجاوز حصرهن في قضايا الأسرة والمرأة.

رابعاً: أن تتحول القيادات النسائية من مجرد حضور داخل الهياكل إلى شريك فعلي في صناعة القرار.

خامساً: أن تلتقي الأحزاب والفاعلات في المجال النسائي والإعلامي والمدني حول ميثاق عملي لدعم المشاركة السياسية للمرأة، بعيداً عن التجاذبات الحزبية.

وفي المقابل، تحتاج المرأة نفسها إلى الاستثمار في المعرفة والتكوين وبناء المبادرات، وأن تدخل المجال السياسي باعتبارها صاحبة مشروع ورؤية، لا مجرد رصيد انتخابي لأي جهة.

كلمة أخيرة

المرأة لا تطلب أن تُمنح مكاناً لأنها امرأة، وإنما أن تُتاح لها فرصة عادلة لإثبات ما تستطيع فعله.

والأحزاب لا تحتاج إلى مجاملة المرأة، بقدر ما تحتاج إلى اكتشاف طاقتها واستثمار كفاءتها.

لذلك، فإن الدعوة اليوم موجهة إلى الأحزاب والنساء والفاعلين السياسيين والمدنيين والإعلاميين معاً: لنجعل الانتخابات بداية للشراكة السياسية، لا نهايتها؛ 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى