من دعم الزراعة إلى فك عقد الإنتاج.. الحكومة تضع الخضروات أمام اختبار الكهرباء والمياه والتسوق

لم يعد الحديث عن تطوير زراعة الخضروات في موريتانيا مرتبطًا فقط بتوفير البذور والأسمدة والمدخلات الزراعية، بل بات مرتبطًا بجملة من الشروط التي تبدأ من الأرض والمياه والكهرباء، ولا تنتهي عند التسويق وحماية المنتج المحلي.
هذا ما عكسته بوضوح مخرجات اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بالتحضير لحملة زراعة الخضروات للموسم الزراعي الجديد، الذي ترأسه الوزير الأول المختار ولد اجاي، اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026، بحضور رئيس اتحاد أرباب العمل الموريتانيين وعدد من الفاعلين في القطاع.
الاجتماع حمل رسالة واضحة: الحكومة تريد أن تنتقل من مجرد تشجيع الإنتاج الزراعي إلى معالجة العوائق التي تمنع المنتج من الوصول إلى السوق والاستمرار فيه.
الكهرباء والمياه.. معركة ما قبل الإنتاج
في المناطق الزراعية، لا يكفي توفر الأرض والرغبة في الزراعة. فغياب الكهرباء أو صعوبة الحصول على المياه يمكن أن يحولا موسمًا زراعيًا واعدًا إلى خسارة اقتصادية بالنسبة للمزارع.
ولهذا جاءت توجيهات الوزير الأول بتسريع حل مشكلتي الكهرباء والمياه، إلى جانب فك العزلة عن مناطق الإنتاج، باعتبارها شروطًا أساسية لاستقرار النشاط الزراعي وتوسعه.
فالطريق الزراعي، في هذا السياق، ليس مجرد بنية تحتية للنقل، بل حلقة أساسية في سلسلة الإنتاج؛ إذ إن المنتج الذي لا يستطيع نقل محصوله في الوقت المناسب قد يجد نفسه أمام تلف جزء منه أو بيعه بأثمان لا تغطي كلفة إنتاجه.
عندما تصبح وفرة الإنتاج مشكلة
المفارقة التي تواجه قطاع الخضروات أن زيادة الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة أرباح المنتجين.
فإذا لم تترافق وفرة المحاصيل مع منظومة فعالة للتسويق والتخزين والنقل، فقد يتحول فائض الإنتاج إلى عبء على المزارع، خصوصًا في المنتجات سريعة التلف.
ومن هنا تبرز أهمية ما طرحه الاجتماع بشأن تسويق المنتجات الزراعية وضبط أسعارها وحمايتها وتخزينها.
فالرهان الحقيقي لا يكمن فقط في إنتاج المزيد من الخضروات، وإنما في بناء سلسلة متكاملة تبدأ من المزرعة وتنتهي بالمستهلك، مرورًا بالتخزين والنقل والأسواق.
المنتج المحلي أمام اختبار المنافسة
وتحظى مسألة حماية وتشجيع المنتج المحلي بأهمية خاصة، في ظل حاجة البلاد إلى تقليص الاعتماد على الواردات وتعزيز قدرتها على تحقيق قدر أكبر من الأمن الغذائي.
وقد شدد الوزير الأول على ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتشجيع المنتج المحلي، في إشارة إلى أن حماية المزارع لا تنفصل عن حماية السوق الوطنية وتشجيع الاستثمار الزراعي.
لكن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطًا بقدرة المنتج الموريتاني على الوصول إلى السوق في ظروف عادلة، وبوجود آليات عملية تحميه من الخسائر وتمنحه حافزًا للاستمرار والتوسع.
العقار.. الحلقة التي لا يمكن تجاهلها
ومن بين الملفات التي حضرت بقوة في توجيهات الوزير الأول، ملف الملكية العقارية لملاك الأراضي.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة للقطاع الزراعي، لأن استقرار الملكية أو وضوح الوضعية القانونية للأرض يمثلان عنصرًا أساسيًا في تشجيع الاستثمار طويل الأمد.
فالمزارع أو المستثمر يحتاج إلى أن يعرف أن الأرض التي يستثمر فيها اليوم ستكون مؤمّنة قانونيًا بما يسمح له بالتخطيط لمواسم قادمة، وإنجاز منشآت وتجهيزات قد تتطلب استثمارات كبيرة.
اختبار جديد للسياسة الزراعية
القرارات التي خرج بها اجتماع اللجنة الوزارية تضع مختلف القطاعات المعنية أمام اختبار عملي: هل يمكن تحويل التوجيهات إلى حلول ملموسة قبل انطلاق الموسم الزراعي؟
فالنجاح لن يقاس هذه المرة بعدد الاجتماعات أو حجم الدعم المعلن، وإنما بمدى تحسن الظروف التي يعمل فيها المزارع: مياه متوفرة، كهرباء مستقرة، طرق سالكة، أرض واضحة الوضعية، سوق قادرة على استيعاب الإنتاج، ومنظومة تخزين ونقل تحد من الخسائر.
وبهذا المعنى، تبدو حملة زراعة الخضروات للموسم الجديد أكثر من مجرد موسم زراعي؛ إنها اختبار لقدرة السياسات الحكومية على الانتقال من تشجيع الإنتاج إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة ومستدامة.
وإذا نجحت الحكومة في معالجة هذه الحلقات مجتمعة، فقد تتحول زراعة الخضروات من نشاط يعتمد بدرجة كبيرة على المبادرات الفردية إلى قطاع اقتصادي أكثر تنظيمًا وقدرة على خلق فرص العمل، وتحسين دخل المنتجين، وتعزيز حضور المنتج الموريتاني في الأسواق.
أما التحدي الأكبر، فيبقى في التنفيذ؛ فبين القرارات الصادرة في قاعة الاجتماع والنتائج التي يلمسها المزارع في أرضه، توجد مسافة لا يختصرها سوى العمل الجاد والتنسيق وسرعة الاستجابة



