موريتانيا فى قلب واشنطن :دبلوماسية التوازن تفرض حضورها فى مؤتمر القادة الأفارقة تحليل سياسي – بقلم: الصحفية آمنة /أجيون

في لحظة سياسية عالمية تتسم بالاستقطاب وعدم اليقين، احتضنت العاصمة الأمريكية واشنطن مؤتمرًا عالي المستوى جمع عدداً من قادة القارة الإفريقية، في خطوة أمريكية تهدف إلى إعادة رسم معالم الشراكة الاستراتيجية مع إفريقيا.
لكن المفاجأة – بالنسبة للبعض – لم تكن في انعقاد المؤتمر نفسه، بل في الدولة التي برزت كرأس حربة للخطاب المتزن والرؤية الواقعية: الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
في مشهد رمزي شديد الدلالة، اختارت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الذي لا يميل للمجاملات الدبلوماسية – أن تُبرز دور موريتانيا وتمنحه مساحة سياسية متميزة وسط الحضور الإفريقي. لم يكن الأمر بروتوكولياً ولا عاطفياً، بل رسالة ضمنية مفادها: أن الصوت الهادئ حين يكون صادقاً، يُسمع في أعلى المنابر.
فقد مثل خطاب الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نقطة تحول داخل المؤتمر، حين اتسم بالصراحة دون عدوانية، وبالواقعية دون خضوع، وبالاستقلالية دون تهور. وهي ثلاثية نادرة في أدبيات القمم الإفريقية الدولية.
تصريحات الرئيس الأمريكي خلال المؤتمر الصحفي، حين قال:
“لم أتوقع هذا القدر من الخضوع، لكن لا بأس، يمكننا الاستمرار في المجاملات”,
عكست ما يُشبه الاستياء من ضعف المواقف السياسية لبعض القادة الحاضرين، الذين ربما خلطوا بين الدبلوماسية والتودد الزائد.
لكن المثير أن ترامب، المعروف بانتقاده العلني، استثنى من ذلك خطاب الرئيس الموريتاني، وعبّر , بعبارات غير مباشرة –,عن احترامه لموقفه، ولقوة الطرح الموريتاني الذي لم يسعَ إلى استرضاء واشنطن، بقدر ما قدّم شراكة متزنة قائمة على المصالح المشتركة.
موريتانيا.. بين الحذر والمبادرة
لطالما اتُّهمت موريتانيا تاريخياً بأنها “صوت خافت” في السياسة الإقليمية والدولية. غير أن هذا المؤتمر أثبت العكس:
• فموريتانيا لم تتحدث كثيرًا، لكنها قالت ما يجب أن يُقال.
• لم ترفع شعارات، لكنها طرحت رؤية واقعية للتعاون الأمريكي ,الإفريقي تقوم على التنمية لا الوصاية.
• لم تساير كل التوجهات، لكنها رفضت أن تكون على الهامش.
هذا الموقف الناضج عزز صورة موريتانيا كشريك محترم ومؤثر، لا تابع سياسي ولا صوت معارض لمجرد المعارضة.
نتائج متوقعة وآفاق مفتوحة
في ضوء هذا الحضور اللافت، يُمكن رسم بعض التوقعات الواقعية:
1. تعزيز العلاقات الثنائية الأمريكية-الموريتانية، خصوصاً في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والتعليم والرقمنة.
2. إعادة تموضع موريتانيا في محيطها المغاربي والإفريقي كدولة قادرة على الجمع بين الثبات السياسي والانفتاح الدبلوماسي.
3. تحول ناعم في نظرة الولايات المتحدة لإفريقيا، من خلال دول ذات مواقف مستقلة، مثل موريتانيا، بعيدًا عن “البلدان الكبيرة التي تتكلم كثيراً وتفعل قليلاً”
المؤتمر الأخير في واشنطن لم يكن مجرد لقاء تقليدي بين قادة العالم، بل اختباراً حقيقياً لمَن يمتلك الجرأة على قول الحقيقة، دون أن يفقد حنكة السياسة.
وفي هذا الامتحان، نجحت موريتانيا بامتياز، ليس فقط لأنها تحدثت بصراحة، ولكن لأنها أثبتت أن الدول لا تُقاس بحجمها الجغرافي، بل بمقدار صدقها واستقلال قرارها
– بقلم: الصحفية
آمنة /أجيون



